سَنگاو تنتظر «فجراً» يليق بتضحياتها
سَنگاو تنتظر «فجراً» يليق بتضحياتها
February 12, 2026

مع بزوغ أولى خيوط الفجر، ينعكس ضوء الشمس على صخور الجبل كأنها مرايا. وفي الجوار تتنفس الينابيع الكبريتية بأنفاس الأرض الدافئة وتتصاعد الأبخرة في الجو، وبين المشهدين آثارُ تاريخٍ طويلٍ من المعاناة لمكان سطّر ثاني أكبر لوحة من الشهداء في محرقة الأنفال بمنطقة گرميان. إنها ناحية سَنگاو التابعة لقضاء جمجمال، التي تتطلع ليوم جديد يحمل الغنى وإعادة رسم موازين حياة سكانها بفضل استثمارات لمواردها الطبيعية الواعدة، فهل ستحل النهضة محل الوجع القديم.

كانت سَنگاو كقطعة شطرنج تتقاذفها الأيادي، اقتطعها الإنجليز من محافظة السليمانية بعد مقاومة الشيخ محمود الحفيد لاحتلالهم مطلع القرن الماضي، أملاً في إضعاف نفوذ الشيخ ومؤيديه وجرى إلحاقها بكركوك، ثم أعادها حكم البعث في 1976 للسليمانية، وهذه المرة لتقليل تعداد الكورد في كركوك. ومنذ أن اُعتمد الدستور العراقي الجديد في 2005، استقر بها المطاف كمنطقة مجهولة المصير بعنوان «متنازع عليها». 

لكنّ خلف هذا التاريخ الملتبس، تختبئ حكاية أخرى أكثر إشراقاً؛ حكاية الثروات الطبيعية. فإن دراسة حديثة في جامعة السليمانية، كشفت أن جبل سَنگاو ليس مجرد مَعْلم طبيعي، بل خزان جيولوجي ضخم يمتد على مساحة 320 كيلومتراً مربعاً، يحتضن ثلاث طيات صخرية تمتد بطول يقارب 48 كيلومتراً. هذه التكوينات المحدبة والمقعّرة تُعد خزانات مثالية للمواد الهيدروكربونية، إذ لا يتجاوز عمقها ألفي متر، ما يجعل استخراج الغاز والنفط منها مهمة أقل تكلفة وأكثر جدوى.

وتشير الدراسة إلى أن المنطقة تحتوي أيضاً على أنواع مميزة من الصخور والتربة تصلح لصناعة الجبس والآجر الأحمر الصديق للبيئة، فضلاً عن ثراءٍ في المعادن غير المستثمرة. أما واديها الأبيض فهو لوحة طبيعية من الينابيع المعدنية والكبريتية، تتجاور المياه المالحة والعذبة والحرارية بموقع واحد.

وأوضح العالم الجيولوجي فاضل أحمد أمين أن منطقة سَنگاو والمناطق المجاورة لها تُعدّ من أبرز المناطق الواعدة في إقليم كوردستان، ومرشّحة بقوة لتكون مركزاً للتطوير والاستثمار في قطاعات النفط والغاز والمعادن. وأشار إلى أن استثمار هذه الموارد يمكن أن يشكّل رافعة اقتصادية جديدة للإقليم، ويفتح المجال أمام قيام صناعات حيوية مثل البتروكيماويات والتكرير، مثمناً في الوقت ذاته خطوة الحكومة الكوردستانية في «توقيع اتفاقيات واعدة مع كبريات الشركات الأمريكية لاستثمار الثروات النفطية والغازية في المنطقة».

فرص استثمار سانحة

تبدو الفرصة مواتية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى. ففي مايو / أيار 2025، وبرعاية رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، وقّعت وزارة الثروات الطبيعية اتفاقيتين في واشنطن مع شركتي (Western Zagros) و(HKN Energy) لتطوير:

1. حقل ميران: باحتياطي يُقدّر بنحو 8 تريليونات قدم مكعب من الغاز.

2. قطاعات توبخانة – كوردمير: تحتوي على نحو 5 تريليونات قدم مكعب من الغاز و900 مليون برميل من النفط.

ويُذكر أن قرب هذه المشاريع من سَنگاو (على بعد ما بين 20 - 40 كيلومتراً)، يجعلها مرشحة لتكون محطة دعمٍ لوجيستي واستثماري محوري، خصوصاً إذا ما توفّرت رؤية محلية تكميلية تستفيد من الحراك الاقتصادي الجاري.

نظام بيئي متكامل

ولأن التنمية ليست في النفط والغاز وحده، يرى البروفيسور شيروان عمر رشيد، من كلية العلوم الإنسانية بجامعة السليمانية، أن جبل سَنگاو يمثل «رئةً خضراء» للمنطقة، ونظاماً بيئياً متكاملاً يحمي التربة ويخفف الغبار ويُلطّف المناخ. ويؤكد أن سفوح الجبل تتحول في مواسم الأمطار إلى لوحة حية من النباتات البرية والمراعي الطبيعية التي تحفظ التنوع البيولوجي، مشدداً على ضرورة موازنة الاستثمار مع الحفاظ على هذا الإرث البيئي النادر.

أما السكان، ومنهم المهندس آسو جمعة، فيرون أن الاستثمار في منطقتهم لا يعني فقط استخراج الثروات، بل أيضاً استعادة الكرامة والفرص. يقول: «نريد لمشاريع التنمية أن تنعش حياتنا، لكن من دون أن تُشوّه طبيعتنا، ومن دون أن يُقصى أبناؤنا عن حقهم في العمل والمشاركة».

نحو رؤية تنموية متكاملة

إن تحويل سَنگاو إلى نموذج للتنمية المتوازنة يحتاج إلى رؤية شاملة تجمع بين البحث العلمي، والصناعة والسياحة، ويمكن تلخيص الملامح الأولى لهذه الرؤية في مسارات منها:

1. مركز علمي متخصّص: إنشاء مركز أبحاث للجيولوجيا والطاقة بالتعاون مع جامعة السليمانية وجامعات دولية، ليكون بوابةً لاكتشاف الثروات واستثمارها علمياً.

2. دعم الكفاءات المحلية: تمويل طلبة الماجستير والدكتوراه في مجالات الجيولوجيا والطاقة والبيئة، لخلق جيلٍ من الخبراء المحليين القادرين على قيادة المشاريع المستقبلية.

3. صناعة صديقة للبيئة: منح تراخيص للمصانع الصغيرة الخاصة بالجبس والطابوق الآجر، مع تشجيع البناء الصديق للبيئة واستخدام المواد المحلية بما يخلق فرص عمل ويقلّل الانبعاثات.

4. السياحة العلاجية والطبيعية: تطوير الينابيع والكهوف والمناطق الجبلية إلى منتجعات صحية ومراكز استجمام بيئي، وإنشاء محمية طبيعية تحفظ التنوّع النباتي والحيواني.

ختاماً:

هكذا تبدو سَنگاو اليوم عند مفترق التاريخ والمستقبل؛ بين ذاكرة الألم وإرادة الحياة. ما تحتاجه هو قرار شجاع يحوّلها من سطرٍ في سجلّ المناطق المتنازع عليها إلى نموذجٍ تنمويّ يجمع بين العلم والاستثمار والبيئة والإنسان.

سَنگاو في أرقام:

الارتفاع عن سطح البحر: 750 متراً

مساحة الطيات الجيولوجية: 320 كلم²

طول الطيات: 48 كلم

الموارد المكتشفة: جبس، طين، معادن، غاز طبيعي

أبرز المواقع السياحية: الوادي الأبيض، كهوف آوە سپي، شلي، دَرزيله


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved