كوردستان على خارطة الاستثمار العالمي
كوردستان على خارطة الاستثمار العالمي
February 04, 2026

يمثل الاستثمار واحداً من أبرز مرتكزات التنمية الاقتصادية في إقليم كوردستان خلال العقدين الماضيين، حيث سعت الحكومة إلى بناء بيئة اقتصادية جاذبة، قادرة على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وتؤكد الأرقام أن الإقليم نجح في استقطاب استثمارات قاربت 74 مليار دولار خلال تسعة عشر عاماً، وهو ما جعل منه نموذجاً بارزاً في تنويع القطاعات الاقتصادية وتطوير البنية التحتية.

انطلاقة جديدة مع الكابينة التاسعة

أعلنت هيئة الاستثمار في إقليم كوردستان أن ما يقارب 45.5 % من مجموع المشاريع الاستثمارية في الإقليم حصلت على موافقات خلال فترة الكابينة التاسعة (2019 - 2025)، ما يعكس حجم الاهتمام الحكومي المتزايد بدعم هذا القطاع. وفي هذا السياق، افتتح رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني في 9 أيلول الماضي، المعرض الدولي السادس للاستثمار في أربيل، بمشاركة 250 شركة من 16 دولة، وهو ما اعتُبر واحداً من أبرز الفعاليات الاقتصادية التي تجمع المستثمرين المحليين والدوليين وتوفر منصة للتعريف بالمشاريع الحالية والمستقبلية.

السياسات الاقتصادية الجديدة

فتحي المدرس، مستشار اقتصادي في وزارة التجارة والصناعة، أوضح في حديث لمجلة «كوردستان بالعربي» أن حكومة الإقليم، منذ أن بدأت في عام 2019، اعتمدت سياسة اقتصادية جديدة للتعامل مع التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي والاختلالات الناتجة عن السياسات غير المتوازنة وغير العادلة للحكومة الاتحادية. وأشار إلى أن هذه السياسة جاءت لمعالجة الأزمات السابقة، وفتح المجال أمام الوزارات والمؤسسات الحكومية للإنتاج وتنويع مصادر الدخل، مع وضع استراتيجية مستقبلية ثابتة ومرنة.

وأكد المدرس أن هذه السياسة أسهمت في تحقيق نجاحات واضحة في القطاعات الإنتاجية والخدمية، الأمر الذي مكّن الشركات المحلية من النمو والتوسع، وفتح الباب أمام جذب رؤوس الأموال الخارجية، خصوصاً في مجالات العقارات والصناعات الإنشائية والتنموية، بما تجاوز توقعات المؤسسات الدولية المراقبة للاقتصاد في العراق والإقليم.

ولفت المستشار في وزارة التجارة إلى أن خطة «رؤية 2030» أولت اهتماماً بالقطاعات الأساسية مثل الصناعة والزراعة والطاقة والتعليم والسياحة والتجارة والصحة، إلى جانب قطاع النقل الذي يشكل عنصراً داعماً لهذه المجالات. كما أوضح أن توزيع الاستثمارات بين المحافظات يستند إلى دراسات علمية تضمن التوازن التنموي، وهو ما انعكس في مشاريع نوعية مثل مصنع منتجات الألبان والأجبان «زوم» في المناطق الأقل كثافة من الناحية السكانية، بما يسهم في خفض تكلفة النقل وتوفير فرص عمل محلية.

"يعكس تزايد عدد الشركات الأجنبية واتساع مجالات الاستثمار مدى الثقة المتنامية بقدرات كوردستان على تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وجذب رؤوس الأموال نحو مستقبل أكثر ازدهاراً"

وبيّن المدرس أن المؤشرات الاقتصادية كشفت عن ارتفاع كبير في عدد الشركات وحجم التجارة والمعامل، وهو ما عزز ثقة المستثمرين الدوليين بوجود بيئة استثمارية مستقرة تضاهي مستويات الدول النامية وبعض الدول المتقدمة. وأكد أن المجتمع الكوردستاني أصبح منتجاً في قطاعات حيوية مثل الأسمنت والحديد ومواد البناء، حيث تحقق الاكتفاء الذاتي وبدأت المنتجات تُصدَّر إلى باقي المحافظات العراقية.

كما أشار المدرس إلى أن مشاريع مثل معامل الأسمنت والمناطق الصناعية في زاخو تعد «قصص نجاح» تعزز مكانة الإقليم الإنتاجية، مع ضرورة مراجعة قانون الاستثمار وتحديثه بما يتلاءم مع المتغيرات الراهنة. واختتم بالتأكيد على أن فلسفة الحكومة ترتكز على الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية لبناء الحاضر والمستقبل، وأن هذه الرؤية تجعل من تجربة كوردستان الاستثمارية مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد.

أرقام ومؤشرات

رئيس هيئة الاستثمار في الإقليم، الدكتور محمد شكري، أوضح أن الهيئة منحت منذ عام 2006 وحتى عام 2025 أكثر من 1,540 إجازة استثمارية، منها 700 مشروع خلال الكابينة التاسعة وحدها، وهو ما يعادل نحو 45.5 % من مجموع المشاريع. وبيّن أن هذه الإجازات شملت 11 قطاعاً، تصدرتها الصناعة والتجارة والسياحة، بإجمالي استثمارات تجاوز 12 مليار دولار، إضافة إلى 11 مشروعاً استراتيجياً مشتركاً بين مستثمرين محليين وأجانب بقيمة تفوق 5 مليارات دولار.

وبحسب الإحصاءات، فإن مجمل الاستثمارات المنفذة في الإقليم بين 2006 و2025 بلغ 73.9 مليار دولار توزعت على 1427 مشروعاً، أسهمت بشكل مباشر في تعزيز النمو الاقتصادي وتطوير البنية التحتية.

التوزيع الجغرافي والقطاعي

جغرافياً، تصدرت أربيل قائمة المحافظات المستقطبة للاستثمار بـ631 مشروعاً تجاوزت قيمتها 45.8 مليار دولار، أي ما يعادل 61.9 % من إجمالي الاستثمارات، وهو ما يعكس مكانتها كمركز اقتصادي رئيسي. تلتها السليمانية بـ287 مشروعاً بقيمة 18.7 مليار دولار (25.4 %)، ثم دهوك بـ330 مشروعاً بلغت قيمتها 6.34 مليار دولار (8.58 %). أما بقية المناطق مثل گرميان وزاخو وسوران وراپرين وحلبجة، فقد شهدت استثمارات متفاوتة تمثل بداية توسع تدريجي نحو الأطراف.

أما على المستوى القطاعي، فقد استحوذ قطاع الإسكان والعقار على النصيب الأكبر بـ1,351 مشروعاً بلغت قيمتها 62.5 مليار دولار (84.5 %)، يليه القطاع الصناعي بـ358 مشروعاً بقيمة 25.3 مليار دولار (34.2 %)، ثم السياحة بـ226 مشروعاً بقيمة 14.9 مليار دولار (20.2 %). كما شملت الاستثمارات قطاعات أخرى مثل التجارة (7.4 %)، والصحة (1.6 %)، والخدمات (1.9 %)، والزراعة (1.7 %)، والبنوك (1.05 %)، والرياضة (0.28 %).

وتعكس هذه الأرقام تلبية الإقليم للطلب المتزايد على السكن، وفي الوقت ذاته إبراز إمكانيات واضحة للتوسع في الصناعة والسياحة بما يعزز تنويع مصادر الدخل.

الاستثمارات الأجنبية

وفي إطار أجندة التشكيلة الحكومية التاسعة التي تركز على الاستثمار وتنويع مصادر الدخل، زار وفد من المستثمرين من إقليم كوردستان دولة الإمارات لتعزيز التعاون التجاري وتشجيع الشركات الإماراتية على الاستثمار في الإقليم، وزيادة عدد الشركات الأجنبية التي تمثل نحو 20 % من إجمالي الشركات. ويوفر إقليم كوردستان فرصاً في الصناعة والبناء والسياحة والزراعة والطاقة المتجددة مع كافة أشكال الدعم والتسهيلات، ويعد شريكاً رئيسياً للإمارات لما يتمتع به من استقرار وأمان. كما تشكل كوردستان بوابة رئيسية للاستثمار الأمريكي في العراق، حيث تعمل 24 شركة أمريكية مدعومة باتفاق استثماري بقيمة 110 مليارات دولار، مع تسهيلات لتوسيع الاستثمارات إلى قطاعات التكنولوجيا وغيرها.

وتُظهر المؤشرات أن إقليم كوردستان تمكن خلال تسعة عشر عاماً من بناء تجربة استثمارية فريدة في كوردستان والعراق كله، قائمة على التنوع القطاعي والاستقرار الأمني والإداري. ومع نجاحه في استقطاب استثمارات قاربت 74 مليار دولار، يبدو أن المرحلة المقبلة ستتطلب توسيع خارطة الاستثمارات لتشمل قطاعات التعليم والصحة والزراعة والطاقة المتجددة، إلى جانب تعزيز التوزيع الجغرافي بما يضمن تنمية أكثر توازناً بين المحافظات.

ويواصل إقليم كوردستان ترسيخ مكانته كوجهة استثمارية واعدة في العراق والمنطقة، مستفيداً من بيئته الآمنة واستقراره الاقتصادي والإداري. وتعمل الحكومة الإقليمية على تبسيط الإجراءات وتقديم تسهيلات كبيرة للمستثمرين المحليين والأجانب، من خلال القوانين المشجعة والبنية التحتية المتطورة والخدمات اللوجستية الحديثة، ولا سيما في أربيل التي أصبحت مركزاً رئيسياً للنشاط التجاري والاستثماري في الإقليم. ويعكس تزايد عدد الشركات الأجنبية واتساع مجالات الاستثمار مدى الثقة المتنامية بقدرات كوردستان على تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وجذب رؤوس الأموال نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved