أسطة صالح، رجل ارتبط اسمه بالكاميرات منذ قرابة ثلاثة عقود، فهو من أبرز مصلّحي الكاميرات في مدينة السليمانية، إذ يُقدّر عدد الكاميرات التي أصلحها بيده بنحو 10 آلاف كاميرا.
وقد دفعه شغفه بالكاميرات إلى جمع ما يقرب من ألف كاميرا، أقدمها تعود إلى القرن التاسع عشر، ويزيد عمرها على 136 سنة، اَملاً من الجهات الحكومية تأمين مكان خاص على شكل متحف لعرض كاميراته أمام الزوار والسياح المحليين والأجانب في مدينة السليمانية.
بهدوء ودقة، ومن خلال نظارته، يتفحص أسطة صالح حمه كريم (57 عاماً)، المعروف بـ«الأسطة» (وهي تعني الخبير أو الحِرَفي)، أجزاء كاميرا فوتوغرافية تعود لمصور محترف، محاولاً إصلاحها بحرفية عالية وشغف كبير.
ولد الأسطة عام 1968 في قضاء بينجوين التابع لمحافظة السليمانية، إلا أنه انتقل للعيش في مركز السليمانية عام 1980. ومنذ عام 1996، احترف تصليح الكاميرات الفوتوغرافية، وبدأ أولى خطواته مع كاميرا من نوع «كونيكا».
الصورة: هيمن بابان رحيم
ويقول صالح في حديثه لمجلة «كوردستان بالعربي»: «بداياتي المهنية تعود إلى أوائل التسعينات، إذ كنت أعمل في مجال تصليح المصابيح الكهربائية، عبر تحويلها إلى فولتية أقل لتعمل على البطاريات، عندما كانت محافظات كوردستان تعاني من نقص في الكهرباء، كما كنت أصلّح مصابيح الشحن أيضاً. أما في عام 1996، فقد بدأت بتصليح الكاميرات».
ويتابع صالح حديثه بينما يعمل على كاميرا من نوع «كانون»: «عملت مع الأسطة جزا، أحد أبرز مصلحي الكاميرات في السليمانية، وقد أُعجب بقدراتي حين أعطاني 17 كاميرا أصلحت منها 13 في ليلة واحدة. انبهر بمهارتي، ودعاني للعمل معه في المحل، لكنني فضّلت أن أعمل من منزلي. وواصلنا العمل معاً حتى افتتحت محلي الخاص في العام ذاته».
ورغم تسارع التطورات التقنية خلال العقود الماضية، لم يتأثر عمل صالح الواقع محله في أحد الأزقة القديمة داخل سوق السليمانية الكبير.
وبدأ صالح بصيانة كاميرات الأفلام مثل «كوداك» و«كونيكا» و«نيكون» وغيرها. وخلفه تصطف على الرفوف عشرات الكاميرات التي تشبه «مقبرة جماعية» لأجهزة خرجت من الخدمة بفعل الزمن.
ويقول إن «الكاميرات الصحفية والشخصية القديمة كانت تحتفظ بأجزائها الأساسية، أما الكاميرات الحديثة، فمع تطور التكنولوجيا، بدأت الشركات في تقليل عدد الأجزاء الداخلية، خاصة ما يتعلق بحساسات اللمس وآليات التركيز (الفوكس). ومع ذلك، أواكب هذه التحديثات باستمرار، مستفيداً من تجربتي الطويلة ومن الموارد المتاحة عبر الإنترنت».
الصورة: سامان شارو
وأكد صالح الذي قدّر عدد الكاميرات التي صلحها خلال نحو 30 عاماً بنحو 10 آلاف كاميرا لمصورين من مختلف أنحاء كوردستان والعراق، وحتى من الخارج، أن «تصليح الكاميرات القديمة أصعب بكثير من تصليح الكاميرات الحديثة».
ويختلف سعر تصليح الكاميرات بحسب نوع العطل والمواد المطلوبة والوقت اللازم للإصلاح. لكن الأسطة يشدد بالقول: «إذا لم أتمكن من إصلاح الكاميرا، فلا أتقاضى أي مبلغ، وهو ما يترك أثراً طيباً في نفوس الزبائن، خصوصاً الأجانب الذين يقدّرون هذا الموقف». لكن بعض الزبائن، كما يقول، «يستعجلون في تصليح كاميراتهم، في حين أن هذه المهنة تتطلب دقة وتركيزاً عالياً. فهي تستنزف الكثير من طاقتي، لأن الجسد والنفس يتعبان في آن واحد».
ويشير صالح إلى أن أكثر الأعطال شيوعاً تعود إلى سقوط الكاميرات من يد المصورين، وهو ما يتطلب صبراً وخبرة. وقد حاول أن يُورّث هذه المهنة، لكن محاولاته لم تثمر بعد. فالشخص الذي علّمه المهنة هاجر إلى أوروبا، ويعمل حالياً خبازاً هناك.
كما درّب شقيقه، لكنه ترك العمل بعد تعيينه في وظيفة حكومية. أما الآن، فابنه هستين، وهو مهندس في إحدى الشركات، يشارك والده في تصليح الكاميرات كهواية، ويساعده بعد انتهاء دوامه الرسمي.
ولم تقتصر علاقة صالح بالكاميرات على إصلاحها فقط، بل امتدت إلى جمعها والاحتفاظ بها كهواية وعشق. ويقول: «شغفي بالكاميرات دفعني إلى اقتنائها. لدي نحو ألف كاميرا في منزلي، أقدمها كاميرا ألمانية الصنع تعود لعام 1886».
وأكد الأسطة صالح أن هذه الهواية كلّفته تقريباً نصف دخله الشهري من تصليح الكاميرات. ويأمل أن يتم تخصيص مكان من قبل الجهات الرسمية لتحويل مجموعته إلى متحف، يكون تحت إشراف حكومي، ويُعرض أمام الزوار والسياح في مدينة السليمانية.
وفي ختام حديثه، وبعد مسيرة تمتد لثلاثة عقود مع الكاميرات، يقف صالح وسط محله ويقول بنبرة دافئة: «الكاميرا بالنسبة لي ليست مجرد آلة... بل هي أشبه بابن أو ابنة».
الصورة: هيمن بابان رحيم