لم يكن الكولاجين بالنسبة للعالم الكوردي كاوس عزيز فَرَج مجرد بروتين يربط الخلايا، بل خيطاً ينسج الأمل من قلب الألم. من السليمانية إلى مختبرات غلاسكو وهولندا، حمل فرج شغفه العلمي ليحوّل عظام الأبقار إلى سقالات تعيد للجلد المحروق حياته، وتُنتج شرايين اصطناعية. ورغم إنجازاته العالمية، ظل حلمه معلقاً بكوردستان تمتلك يوماً مختبرات تضاهي الموجودة في أوروبا.
من السليمانية إلى غلاسكو
في سبعينات القرن الماضي، بدأ شاب كوردي من السليمانية رحلته بدراسة علوم الأغذية الزراعية في جامعة السليمانية، ليكون ضمن أول دفعة تنال الماجستير في كيمياء الكربوهيدرات عام 1978. ولم يتوقف طموح الشاب عند ذلك، فغادر إلى بريطانيا ليحصل على الدكتوراه في العلوم والتقنيات الحيوية من جامعة غلاسكو عام 1985، فاتحاً لنفسه أبواب البحث العلمي الدولي.
من هولندا إلى العالمية
بعد سنوات من التدريس في العراق، قادته ظروف الهجرة إلى هولندا هذه المرة في عام 1997، حيث أصبح عضواً في اللجنة الاستشارية لبرنامج البحوث الموجّهة نحو الابتكار (IOP) لهندسة الأنسجة، وشارك في المجلس الأوروبي لمشروع هندسة الأنسجة الرخوة لعلاج العيوب الخَلقية لدى الأطفال. كما كان عضواً في جمعية هندسة المواد الحيوية والأنسجة في هولندا، واضعاً اسمه في قلب واحد من أكثر مجالات الطب التجديدي تطوراً.
العالم الكوردي كاوس عزيز فرج - الصور: ناصح علي خياط
كولاجين عظام الأبقار.. وإنجاز علمي رائد
يقول الدكتور فرج لمجلة «كوردستان بالعربي»، إن «هندسة الأنسجة تبدأ باستخلاص الكولاجين من عظام سيقان الأبقار بعد التأكد من سلامة الحيوانات، حيث تُعزل العظام وتُنقّى وتُعالج لتصنيع قوالب كولاجينية خاصة. تُزرع داخل هذه القوالب خلايا بشرية معزولة، فيما تسمح الثقوب المتصلة بانتشار الخلايا ونموها بشكل تقلّد الأنسجة الطبيعية».
ويضيف فرج بالقول: «يُعد الكولاجين من أهم بروتينات جسم الإنسان، إذ يشكّل نحو ثلث مجموع البروتينات، ويتميّز بكونه غير قابل للذوبان، ما يجعله مثالياً كنسيج رابط وداعم للخلايا. وبعد استقرار الخلايا داخل القوالب، تُزرع بديلاً عن الأنسجة التالفة». وقد أثبتت التجارب على الحيوانات نجاح هذه التقنية، خصوصاً في تعويض الجلد المحروق، وجراحة الأوعية الدموية، وترقيع الحالب.
الشريان الاصطناعي.. حلم تحقق
في واحد من أبرز إنجازاته، شارك الدكتور فرج مع فريق بحثي عمل على تصنيع أوعية دموية من مواد طبيعية مثل الكولاجين والإيلاستين، بتقليد دقيق لبنية الأوعية الدموية البشرية. فصمّم الفريق قالباً مكوّناً من ثلاث طبقات مترابطة، تدخل مادة الإيلاستين في بطانته الداخلية لإكسابها المرونة والقدرة على تحمّل ضغط الدم. وأشرف الفريق على استخلاص الإيلاستين من رقبة حصان وتنقيته للاستخدام الطبي. وبعد اكتمال تصنيع الشريان الاصطناعي، أجرى جراح القلب والأوعية الدموية الهولندي المعروف فان دير فليت (Van der Vliet) تجربة زرع ناجحة، حين استبدل جزءاً من شريان خنزير تجارب بالشريان المصنّع. فعاش الحيوان طبيعياً لمدة شهر قبل إخضاعه لفحوصات إضافية، في خطوة مهمة لتطوير التقنية نحو الاستخدام البشري.
إنجازات علمية
لم تقتصر أبحاث الدكتور كاوس عزيز فرج على فكرة السقالات الكولاجينية وحدها، بل امتدت إلى مجالات متعددة في الطب التجديدي. فقد نشر أكثر من ثلاثين بحثاً في دوريات علمية عالمية رصينة، تناولت موضوعات مثل:
- تصميم سقالات كولاجينية ثلاثية الأبعاد تحاكي البنية الطبيعية للأنسجة البشرية.
- دراسة تأثير طرق التعقيم المختلفة (كالتعقيم بأكسيد الإيثيلين أو الإشعاع بيتا وغاما) على سلامة هذه السقالات.
- استخدام التصوير المجهري المقطعي (Micro-CT) للكشف عن البنية الدقيقة للمواد الحيوية الرخوة.
- تطوير كرات مجهرية من الكولاجين لتكون ناقلات للأدوية داخل الجسم البشري.
هذه الإنجازات لم تفتح أبواباً جديدة في البحث العلمي فحسب، بل دفعت جامعة «رادبود نايميخن» إلى إدراج اسمه ضمن لوحة الشرف الخاصة بأهم البحوث المنشورة في قسم الكيمياء الحيوية للمصفوفات، اعترافاً بمكانته بين الرواد.
العودة إلى كوردستان
رغم نجاحه العالمي، عاد الدكتور فرج إلى كوردستان ليشغل منصب مساعد رئيس جامعة كومار للعلوم والتكنولوجيا، حاملاً حلماً بإنشاء وحدة لإنتاج الكولاجين وربط جامعات الإقليم بالمؤسسات البحثية العالمية.
قصة كاوس عزيز فرج شهادة على أن العلم يمكن أن يكون جسراً بين المنفى والوطن، وبين الألم والأمل، وأن المعرفة حين تعود إلى أرضها تتحول إلى حياة.