بين جدرانِ مسجد «مهرماه سلطان» العتيق في إسطنبول، ينحني رجلٌ خمسيني غريب على المدينة، وحيداً تحت ضوءٍ خافت، ممسكاً بقلم القصب التركي ليخط على الورق بروية ودقة متناهية. لا يقطع صمتَ المكان المهيب سوى حَفِيف ناعم مُتقطع، هو صوتُ رأس القلم يغازلُ سطحَ الورق، فيَنبَثِقُ منه سرّ الحروف والكلمات. إنه الخطاط الكوردي علي زمان، الذي يقضي أعواماً وصلت إلى ستة في ذلك المسجد، يُفْرِغُ مَا فِي وُسْعِهِ لكتابة النسخة الأضخم من المصحف الشريف، منافساً بذلك كبار خطّاطي العالم، طامحاً إلى تسجيل اسمه في «موسوعة غينيس» كصاحب أكبر مصحف مخطوط باليد.
من وميض الذهب إلى ألق الحرف
وُلدَ علي زمان عام 1971 في محافظة السليمانية، حيث درس الكهرباء أولاً، ثم العلوم الشرعية، قبل أن يدفعه طلب الرزق إلى احتراف صياغة الذهب لسبع وعشرين عاماً (1986 - 2013). هناك، أتقن دقّة الصائغ وصبره، ليصنعَ منها لاحقاً أساساً لفنٍّ أعظم: فن الخط العربي. لم تكن رحلته مع خطّ الحرف وليدة الصدفة، بل كانت عشقاً قديماً نما منذ سنوات الدراسة المتوسطة، حيث كان يدرب يده على كراسات الخط، قبل أن ينتقل إلى التلمذة المباشرة على أيدي كبار الخطاطين مثل أحمد عبد الرحمن الأربيلي، وبژار الأربيلي.
يقول زمان عن هذه الرحلة، في حديثه لمجلة «كوردستان بالعربي»: «صار الخط جزءاً لا يتجزأ من حياتي... بل صار همي الوحيد وشغلي الشاغل».
الصور: Bünyamin Çelik
من الهواية إلى الاحتراف والعالمية
لم تكتفِ أناملُ الخطاط علي زمان بأن تُبدعَ داخل جدران مشغله، بل انطلق حاملاً فنَّهُ للعالم، شارك بفعالية عالمية في ماليزيا حيث أذهلَ المشاركين بتراكيب حروفه، وانتقل إلى تركيا حيث توجّه رئيسُها إعجاباً بفنِّه، مروراً بمحافل عراقية وسورية، وجائزةٍ تقديريةٍ من منظمة التعاون الإسلامي، إضافةً إلى مراكزَ متقدمةٍ في عشرات المحافل الدولية، كلُّها شهاداتٌ ناطقةٌ بأنَّ إتقانَهُ قد تجاوزَ الجغرافيا ليصبح لغةً جماليةً عالميةً. لكنَّ قلبَ زمان، رغم كلِّ هذه الألقاب، كان ينبضُ بتوقٍ إلى تحدٍّ أعظم؛ تحدٍ لم يسبقهُ إليه سابقٌ.
التحول الكبير.. هجرة نحو المصير
في عام 2016، أبدع الخطاط علي زمان، بخط مصحف بطريقة مبتكرة جسّد فيه المعاني بصرياً، فكتب سورة النحل على هيئة خلايا النحل، غير أنّ ذلك كله لم يثنه عن فكرة خوض تحدٍ أكبر. فبدأ في عام 2019، رحلة غيّرت كل شيء: مشروع أكبر مصحف مخطوط في العالم. وكانت تركيا، بتراثها العثماني المحطة التي انفتح فيها طريقه نحو الحلم الكبير. هناك، في ظلال مسجد مهرماه سلطان وجد زمان ملاذاً لاحتضان طموحه، فقد فتح له إمام المسجد، الشيخ إبراهيم حقي، بابَ غرفةٍ صغيرة، فصارت تلك الزاوية المتواضعة ورشة أحلامه وانطلاقة مشروعه. في ذلك الفضاء المهيب، بين صدى التلاوات وهمس الدعاء من شفاه المُصلّين وعبق التاريخ الذي ترويه جدران المكان، يبدأ الخطاط الكوردي علي زمان، برنامج عمله اليومي بعد صلاة الفجر، ويُنهيه بعدما يكون الإعياء قد نال منه.
لماذا كل هذا العناء؟
تكلفة المشروع ليست ماليةً فحسب؛ فقد دفع الخطاط علي زمان من جسده ثمناً باهظاً. قال لـ«كوردستان بالعربي»: «بدأت المشروع ووزني كان 83 كيلوغراماً، واليوم لا أكاد أزن 58 كيلوغراماً».
لماذا كل هذا العناء؟ فأجاب: «طالما أحببتُ التحدي وابتكارَ كل ما هو جديد.. لا أحبُّ التقليد، وأسعى دائماً لإنجاز عملٍ مبدعٍ يدهشُ المتلقين».
إنه لا يطمحُ لمجردِ رقمٍ قياسي في «غينيس» يتجاوزُ به مصحفاً خطّه أفغاني كان حجمه (228×155 سم)، بل يريدُ أن يكونَ عملهُ رسالةً تُقدِّرُ الإصرارَ والجمالَ، وتُلهمُ الأجيالَ بأن طاقةَ الإنسانِ لا تحدُّها إلا همته.
يختتمُ زمان حديثه بنصيحةٍ من عمقِ تجربته: «مغزى رسالتي أنَّ الأعمالَ من هذا النوع تستحقُ أن تُقدَّرَ حقَّ التقدير... أنصحُ الشبابَ ألا يبددوا وقتهم سدىً، وأن يولوا الاهتمامَ لقدراتهم، فلَديهم طاقاتٌ عظيمةٌ تُضيءُ إنْ وجدتْ مَنْ يصقلُها فلا ينبغي أن تُهدر».
وأخيراً، وبعد ست سنواتٍ من العزلة تحت قباب المسجد العتيق، يأتي اليومُ المُنتَظَر لترى أعينُ العالم هذا الإبداع الإنساني. فقد انتهى الخطاط علي زمان من خَطِّ أكبر مصحفٍ مخطوطٍ باليد، وهو يُعِدُّ الآن لاحتضان هذه المخطوطة التاريخية واحةً جديدةً تليقُ بها، حيث يُخطَّطُ لعرض هذا الإنجاز في أحد المتاحف التركية الكبرى. وهذا المصحف العملاق، بكلِّ تفاصيله المذهلة، ثمرةُ يمينٍ كورديةٍ أمينة وَهبت الوقتَ والجهدَ، وَحَمَلَ عبءَ تكاليفهِ الماديةِ كلِّها من جيبه الخاص، ليقدِّمَ للعالم هديةً ثمينة.

مشروع المصحف الأكبر في أرقام:
- 302 ورقة عملاقة: طول الورقة 4 أمتار، وعرضها متر ونصف المتر.
- يستعمل خط الثلث الجلي: وهو أحد أشدُّ الخطوط العربية هيبةً وصعوبة.
- ستة أعوام من العمل المتواصل: يبدأ يومه فجراً وينهيه بعد إنهاك أنامله وكامل جسده.