بعد أحداث فنزويلا وما رافقتها من تطورات مثل إزاحة الرئيس مادورو واعتقاله وتقديمه للعدالة الأمريكية، لم تعد الدراماتيكية حالة غير طبيعية، أو كما توصف «حدثاً مثيراً ومذهلاً وحاد التباين»، بل غدت حالة معهودة، رغم كونها مثيرة. لكن ما يحدث على الأرض بخاصة في إدارة الرئيس ترامب جعل الأمور تسير حسب ما هو مرسوم لها سلفاً وبشكل انسيابي وسلس إلى درجة تبدو الحالة المذهلة حالة معهودة وطبيعية وغير صادمة. إذ غدت الأحداث الدراماتيكية أحداثاً شبه طبيعية في ظل الاستراتيجية المتبناة أمريكياً في قيادة العالم حسب رؤية واضحة لا تخرج عن حدود مفهوم الهيمنة إلا بمعيار واحد وهو تغير الآليات لتحقيق ذلك.
الآليات المعتمدة حسب المؤشرات تفيد بأن تغيير أنظمة الحكم التي لا تتوالم مع الرؤية الأمريكية لا بُدَّ لها أن تتغير وبشكل مخملي من دون ضحايا أو - في أسوأ الأحوال - بأقل عدد من الضحايا. وهذه الحالة ستكون معهودة وأمراً واقعاً، فما دامت النوايا موجودة لتغيير الأنظمة الحاكمة بخاصة الشمولية منها وغير الدائرة في الفلك الأمريكي، فإنَّ التغيير بالنمطية التي حدثت في فنزويلا هو الخيار الأفضل، وذلك تفادياً للكثير من الخراب والدمار والفوضى.
استناداً على ما حصل في فنزويلا وكنظرة تحليلية يبدو أن الولايات المتحدة باتت عند قناعة مفادها أن أنظمة الحكم المرشحة للتغيير ليس بالسهولة تغييرها عبر الآليات القديمة (الحصار الاقتصادي والتدخل العسكري)، والاعتماد على عامل الوقت والنخر الداخلي، كون البطء هي السمة الملازمة لتأثير الحصار والعقوبات الاقتصادية، إضافة إلى معاناة الشعوب في ظل الأنظمة الشمولية والعقائدية، وكون الخراب والدمار والفوضى هي السمات الملازمة للعمل العسكري.
لذلك يبدو أن الأسلوب الأمثل هو تبني النمطية الفنزويلية في التغيير، وحسب المؤشرات فإنَّ هكذا عمليات سريعة وخاطفة ومتقنة ستحدث في بلدان أخرى. ومع كون إسقاط نظام مادورو والهيمنة على الثروات النفطية الفنزويلية والحد من الجريمة المنظمة هي الأهداف الواضحة، حسب كلام الرئيس دونالد ترامب، فإن هذا الحدث بحد ذاته رسالة واضحة إلى الأنظمة الشمولية والعقائدية مفادها أن هذه الأنظمة آيلة للسقوط والمحاسبة إن لم تغير نهجها وأساليبها سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى الخلاف مع الولايات المتحدة.
ومع أن الأهداف المعلنة التي جاءت في الرواية الأمريكية تبدو واقعية إلى حدٍ كبير، لكنها تبدو فضفاضة من جانب آخر، فالولايات المتحدة تبحث عن فرض هيمنتها لتأمين مصادر الطاقة أولاً، ومن ثم لحماية وضمان أمنها القومي من خلال تغيير أنظمة الحكم المتمردة، من وجهة نظر الولايات المتحدة. صحيح أن الهدف الأسمى من كل هذه الرؤية الأمريكية ليس متعلقاً بالدرجة الأولى بحق الشعوب في الحياة الحرة الكريمة من خلال التخلص من الأنظمة الاستبدادية، لكن في المحصلة، رغم الفوضى التي تعم البلدان التي تتعرض لهذه الهزات، تكون الشعوب قد حصلت على الحرية والديمقراطية بثمن باهظ.
مع هذه التحولات والرؤية والآلية الأمريكيتين الجديدتين ستكون «دراماتيكية الأحداث» حالة معهودة وانسابية وبأقل الخسائر كما حدث في فنزويلا؛ فالحدث الكبير والمفاجئ يبدو خارقاً ومذهلاً وعاصفاً للذهن في المرة الأولى، لكن حين التكرار سيبدو الأمر طبيعياً إلى درجة أن المتتبع المهتم والمتلقي، مشاهداً أو مستمعاً أو قارئاً، سيكون في حالة سكون وصفاء ذهني واسترخاء بعيداً عن الدوامات الفكرية وضرب الأخماس بأسداس.
لم يعد العالم كما كان، ولم تعد الشعوب تُقاد بالنمطية الكلاسيكية من خلال شعارات الأنظمة الحاكمة وأجهزة إعلامها المؤدلجة إذ غدت الشعوب أكثر وعياً بحكم التطور المذهل في مجال الاتصالات والفضاء المفتوح، ولم تعد الأنظمة الشمولية تمتلك تلك القدرة السابقة لجعل بلدانها عبارة عن سجون كبيرة لملايين المعتقلين (من الشعوب) المنقطعين عن العالم وما كان يجري فيه. وصحيح أن لعبة الهيمنة الأمريكية هي المتصدرة وبوضوح وأن مصالح الولايات المتحدة هي التي يجب أن تُراعى، لكن الشعوب أيضاً - ضمن هذه اللعبة - بدأت تتوالم مع هذه التغييرات - التي سيثقل كاهلها اقتصادياً بحكم فلسفة اقتصاد السوق - بسبب تطلعها ورغبتها نحو الانعتاق وكسر قيود السجون الكبيرة التي تعيش فيها، فلكل شيء ثمن.
هكذا يتغير العالم وهكذا تبدو المفاجآت غير صادمة... إنه العالم الجديد.