يصادف اليوم الثلاثاء، الحادي والثلاثين من آذار 2026، الذكرى التاسعة والسبعين لإعدام الزعيم قاضي محمد، رئيس جمهورية كوردستان التي اتخذت من مهاباد عاصمةً لها؛ لتظل هذه المناسبة محطةً فارقةً في الذاكرة الجمعية الكوردية.
في مثل هذا اليوم من عام 1947، نفّذت السلطات الإيرانية حكم الإعدام بحق قاضي محمد وشقيقه أبو القاسم قاضي وابن عمه حمه حسين خان سيفي قاضي، في ساحة «چوارچرا» (المشاعل الأربعة) وسط مهاباد؛ وهي الساحة ذاتها التي شهدت إعلان قيام الجمهورية. وجاءت أحكام الإعدام تلك عقوبةً على نضال هؤلاء القادة في سبيل تحرير كوردستان واستقلالها.
تعود جذور هذه الحقبة إلى الحرب العالمية الثانية، حين احتلت قوات الاتحاد السوفيتي وبريطانيا الأجزاءَ الشمالية والجنوبية من إيران. وفي ظل ذلك الواقع المضطرب، انفتحت فرصة تاريخية أمام الحركة التحررية الكوردية في منطقة مهاباد ومحيطها المعروف بـ«موكران»، فأُعلن رسمياً عن قيام جمهورية كوردستان في الثاني والعشرين من يناير 1946.
وتُشير المصادر التاريخية إلى أن إدارة الجمهورية جسّدت نموذجاً للوحدة الكوردية، إذ شارك في تسيير شؤونها كورد من مختلف الأجزاء. وكان للزعيم ملا مصطفى البارزاني ولقواته دور بارز، إذ منح رتبة جنرال وقدّم دعماً عسكرياً فعّالاً في التصدي لهجمات عدة، دفاعاً عن هذا الكيان الوليد.
كانت المصالح الدولية العامل الحاسم في حسم مصير التجربة؛ إذ قدّم وزير الخارجية الإيراني أحمد قوام السلطنة وعوداً للاتحاد السوفيتي بمنحه امتيازات نفطية في الشمال، مقابل انسحاب الجيش الأحمر من الأراضي الإيرانية. وحين نُفّذ هذا الاتفاق وانسحب السوفييت، انكشف الغطاء تماماً عن الجمهورية الكوردية التي كانت تفقد ظهيرها الوحيد.
وبعد أن حازت طهران على الدعم البريطاني والأمريكي، شنّت قواتها هجوماً عسكرياً واسعاً. وعلى الرغم من مساعي قاضي محمد لفتح باب التفاوض حقناً للدماء وحصوله على وعود إيرانية بعدم المساس بالمدنيين، فإن طهران لم تفِ بأي من تلك الوعود.
أعقب دخول الجيش الإيراني محاكمةٌ صورية أُفردت فيها كلمة الاتهام والحكم لطرف واحد، لتُختتم بأحكام إعدام نُفّذت فجر الحادي والثلاثين من آذار 1947. ولم تقتصر الإعدامات على مهاباد، بل امتدت لتطال قادة وإداريين آخرين في مدينتي بوكان وسقز.
رغم أن عمر جمهورية كوردستان لم يتجاوز أحد عشر شهراً، فإنها تُعدّ أولى التجارب الكوردية الحديثة في بناء الدولة. فقد شهد ذلك العهد القصير اعتمادَ اللغة الكوردية لغةً رسميةً في التعليم والدوائر الحكومية، وتأسيسَ جيش وطني، ورفعَ العلم الكوردي رسمياً، إلى جانب نهضة نوعية في الصحافة والمطبوعات الكوردية.
ويرى المؤرخون أن سقوط الجمهورية لم يكن وليد ضعف داخلي، بل كان ثمرةً مرّة لاتفاقيات سرية بين القوى العظمى حول مناطق النفوذ وموارد الطاقة، فكانت القضية الكوردية ضحيةً للتوازنات الدولية وصراعات مصالح أكبر من طموحات شعب في الاستقلال.