شهدت الساحة الكوردية في سوريا خلال الفترة الأخيرة حالة لافتة من التلاحم السياسي والشعبي، عقب سلسلة من الأحداث التي أعادت ترتيب الأولويات الكوردية داخلياً وإقليمياً. وقد ترافقت التحركات الميدانية في المناطق ذات الغالبية الكوردية مع موجة تضامن واسعة من القوى الكوردية في الخارج، إضافة إلى مؤشرات تقارب بين الأطراف السياسية الكوردية، بالتوازي مع انفتاح حذر على الحكومة السورية الانتقالية.
خلفية الأحداث وتحول المزاج الكوردي
تبلورت الحالة الكوردية الراهنة عقب التطورات التي شهدها حيَّا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب منذ 22 كانون الأول / ديسمبر 2025، والتي شكلت صدمة جامعة أعادت توحيد جذور الجرح الكوردي في سوريا. وجاء ذلك في سياق ما اعتبر خرقاً لاتفاق الأول من نيسان / أبريل 2025 بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية.
وقد أفضت هذه التطورات إلى حالة اصطفاف كوردي داخلي وإقليمي وخارجي، رفعت خلالها شعارات تدعو إلى «الكف عن أذية الكورد ومحاولات الإبادة». ورغم قساوة المشهد، برزت هذه اللحظة بوصفها نقطة ضغط دفعت مختلف الأطراف الكوردية إلى تجاوز الخلافات الثانوية والالتقاء حول جوهر القضية الكوردية.
من مكافحة الإرهاب إلى حماية المناطق الكوردية
في مساندة بارزة، شهد دور قوات سوريا الديمقراطية «قسد» خلال المرحلة الأخيرة تحولاً لافتاً في طبيعة أولوياتها الميدانية والسياسية. فبعد سنوات تصدرت فيها القوات مشهد الحرب على تنظيم «داعش»، برز في الآونة الأخيرة تركيز أوضح على مهمة حماية المناطق ذات الغالبية الكوردية ومنع المساس باستقرارها.
هذا التحول لا يعني تراجع وظيفة مكافحة الإرهاب، بقدر ما يعكس إعادة تموضع فرضتها تطورات المشهد السوري وتعاظم المخاوف الأمنية لدى الكورد. فقد كثفت القوات انتشارها الدفاعي، ورفعت مستوى الجاهزية في نقاط حساسة، في رسالة مفادها أن أمن المناطق الكوردية بات أولوية مباشرة.
وجاء الانسحاب الأخير من الرقة ودير الزور والطبقة والشدادي في إطار إعادة انتشار مدروسة، وليس بوصفه خسارة ميدانية، وقد أفضت هذه الخطوة عملياً إلى اتفاق 29 يناير وأسهم في إعادة تنظيم خطوط التماس وترتيب الأولويات الدفاعية.
كما تبنت قيادة القوات خطاباً أكثر وضوحاً بشأن «عدم السماح بالمساس بالمناطق الكوردية»، وهو ما انعكس ميدانياً في سرعة الاستجابة للتوترات ومحاولات احتواء أي تصعيد محتمل، مع منح الحراك السياسي والمدني هامش حركة أوسع.

دور قيادات إقليم كوردستان
لعب الرئيس مسعود بارزاني، إلى جانب رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، دوراً محورياً في حماية الكورد في سوريا ومنع تفاقم الأزمة. وقد ركّزت جهودهم على:
1. الحراك السياسي والدبلوماسي الخارجي عن طريق:
- إجراء اتصالات مكثفة مع الدول الفاعلة والمنظمات الدولية لرفع الصوت حول الوضع الكوردي في سوريا.
- الضغط لوقف إطلاق النار ومنع أي تصعيد يهدد المدنيين.
- تنسيق جهود دعم المفاوضات بين الأطراف الكوردية السورية لتوحيد الصف الكوردي.
2. الدعم الداخلي للمناطق الكوردية السورية من خلال:
- تقديم مساعدات سياسية وإعلامية لتسليط الضوء على الانتهاكات ضد الكورد.
- دعم مسارات التفاهم الداخلي لتجنب الفوضى والانقسامات واستغلالها ضد المجتمع الكوردي.
- توجيه الخطاب الرسمي والإعلامي لتثبيت الوعي حول حماية المدنيين وتعزيز الاستقرار.
3. تعزيز الوحدة والتنسيق الكوردي، فإن القيادات الكوردية:
- لعبوا دور الوسيط بين الأطراف الكوردية، ما ساعد على تخفيف حدة التوترات وإعادة فتح قنوات الحوار.
- وأسهموا في خلق بيئة مواتية لإبرام اتفاقات مثل اتفاق 29 يناير الذي أعاد تنظيم خطوط التماس وحقق توازناً ميدانياً وسياسياً.
4. الدور الإعلامي والحقوقي، بـ:
- دعم الإعلام الكوردي والحقوقي في الإقليم لتسليط الضوء على الانتهاكات.
- نشر المعلومات محلياً ودولياً لتعزيز الوعي العالمي حول وضع الكورد السوريين.
وقد شكل تدخل قيادات إقليم كوردستان عاملاً مركزياً في منع التصعيد، وحماية المدنيين، وتعزيز وحدة الصف الكوردي، ودعم الحراك السياسي والدبلوماسي الذي ساهم في تثبيت استقرار المناطق الكوردية ضمن إطار تفاهمات سياسية واضحة، وفي رساله واضحة لمن يريد استهداف الأكراد بأنهم ليسوا وحدهم ولن تتكرر مجازر الأنفال أو جرائم سنجار (شنگال) ثانية.
في الداخل السوري
داخلياً، برزت الانتفاضات والتحركات الشعبية في عدد من المدن والبلدات الكوردية بوصفها تعبيراً عن احتقان متراكم، وفي الوقت نفسه مؤشراً على تنامي الوعي الجمعي بضرورة توحيد الموقف الكوردي في مواجهة التحديات السياسية والأمنية.
واتسمت هذه التحركات بطابع شعبي واسع، حيث رُفعت شعارات ركزت على «الحقوق، والحماية، والشراكة السياسية»، ما يعكس انتقال المزاج العام من ردود فعل موضعية إلى خطاب أكثر تنظيماً ونضجاً.
وشكل حضور علم كوردستان رمزاً لوحدة المطالب القومية خارج الأطر الضيقة، إذ اصطفّ الآلاف في الساحات العامة في القامشلي والحسكة وكوباني وعامودا، إضافة إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ونظموا وقفات ومسيرات سلمية، وأسسوا لجان محلية للتنسيق المجتمعي، مؤكدين التضامن والهوية الجامعة.
كما لعبت الفعاليات المدنية والشبابية دوراً بارزاً في توسيع نطاق الحراك وإضفاء طابع جامع عليه.

الحراك الكوردي في الخارج
نشطت الجاليات الكوردية في أوروبا ومناطق أخرى أيضاً بهذا الصدد عبر تنظيم وقفات تضامنية وحملات إعلامية وحقوقية، ما عزز حضور القضية الكوردية السورية في الفضاء الدولي، ورسخ دور الشتات كرافعة سياسية وإعلامية مكمّلة لحراك الداخل.
التفاهمات الكوردية – الكوردية
تشير المعطيات إلى إدراك متزايد لدى الأطراف الكوردية بأن استمرار الانقسام يضعف القدرة التفاوضية ويحد من فرص تثبيت المكاسب السياسية والإدارية.
وفي هذا الإطار، برز تصريح لمظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، أكد فيه في أكثر من مناسبة إعلامية رفضه للمناصب الحكومية التي عُرضت عليه، مشدداً على أن هدفه الحالي هو العمل على تشكيل مرجعية كوردية والحفاظ على وحدة الصف الكوردي.
العلاقة مع الحكومة الانتقالية
بالتوازي مع ذلك، شهدت المرحلة الأخيرة انفتاحاً حذراً بين القوى الكوردية والحكومة الانتقالية، ضمن مساعٍ لاستكشاف فرص التفاهم حول شكل العلاقة المستقبلية.
وتتمحور المطالب الكوردية حول الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية، وترسيخ اللامركزية الإدارية، وضمان شراكة فعلية في مؤسسات الدولة. في المقابل، تبدو الحكومة الانتقالية حريصة على الحفاظ على تماسك الدولة، وبين هذين المنظورين يتقدم الحوار والسعي إلى تفاهم دائم ببطء مع اختبار مستمر لمستوى الثقة.
في النهاية، يبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة القوى الكوردية على تثبيت تفاهماتها الداخلية وإدارة حوار متوازن مع الحكومة الانتقالية، لتخوض المرحلة المقبلة برؤية موحّدة وإرادة مشتركة.