تُعدّ مقاربة «أعمدة الأمة» إطاراً تفسيرياً عميقاً لفهم تشكّل المجال الحضاري في المشرق بوصفه حصيلة تكامل أدوار تاريخية، لا نتيجة تنازع هويات إثنية مغلقة. فالأمة، في مسارها الطويل، لم تُبنَ على عنصر عرقي واحد، بل تبلورت عبر تفاعل جماعات كبرى أدّت وظائف حضارية متكاملة في بناء الدولة، وصياغة المعرفة، وترسيخ المرجعية القيمية الجامعة. ومن هذا المنظور، لا تعبّر الأعمدة عن كيانات متقابلة، بل عن وظائف حضارية متداخلة أسهمت في إنتاج وحدة تاريخية مرنة، قادرة على استيعاب التعدد من دون أن تنزلق إلى التفكك.
يُقدَّم مفهوم «أعمدة الأمة الأربعة» في خطاب سمو الأمير الحسن بن طلال بوصفه إطاراً تحليلياً لفهم البنية الحضارية للمنطقة الممتدة بين المجال العربي وتركيا وإيران، بعيداً عن أي تصنيفٍ إثني أو مقاربةٍ هوياتية مغلقة. ففي الكلمة الافتتاحية لمؤتمر «أعمدة الأمة الأربعة» الذي عُقد في عمّان عام 2018، جرى التأكيد على أن العرب والفرس والترك والكورد يمثلون مكوّناتٍ تاريخيةً كبرى أسهمت بصورةٍ تكاملية في إنتاج المجال الحضاري المشترك، وأن هذا المجال لم يتكوّن بوصفه وحدةً عرقيةً صافية، بل عبر مسارٍ تراكمي من التفاعل المعرفي والسياسي والثقافي.
يمثّل العرب عمود التأسيس الحضاري، حيث ارتبطت تجربتهم المبكرة بالوحي، وبناء اللغة الجامعة، وصياغة الإطار القيمي والمعياري الذي انتظمت داخله سائر المكوّنات. فقد أسهمت العربية في تأسيس فضاء معرفي مشترك، وفي بلورة النموذج الأول للشرعية السياسية والرمزية، بما منح الأمة مركزها المرجعي العام. أما الفرس، فقد شكّلوا عمود التنظيم والإدارة والإنتاج المعرفي، من خلال تطوير تقاليد الحكم، وترسيخ النظم البيروقراطية، وإغناء الفلسفة والعلوم والآداب، الأمر الذي عزّز قدرة الدولة على الاستمرار والتوسع. في حين برز الترك عموداً للدولة والقوة السياسية والعسكرية، عبر بناء النظم السلطانية، وصيانة المجال السياسي في مراحل تعدّد المراكز وتراجع السلطة المركزية.
وفي هذا البناء التفاعلي، يبرز الكورد بوصفهم عمود التوازن والاندماج الحضاري. فقد أدّوا أدواراً مركّبة جمعت بين القيادة العسكرية والإدارية، والاندماج الاجتماعي، والوفاء للمرجعية الجامعة. ولم تتشكّل الهوية الكوردية، في معظم مراحلها التاريخية، على مشروع قطيعة مع الإطار الحضاري العام، بل في تماسّ مستمر مع الدولة والمجتمع. وقد أتاح انتشارهم الجغرافي في الأناضول والجزيرة الفراتية وبلاد الشام وإيران والعراق موقعاً وسطياً بين المراكز السياسية، ما عزّز نمطاً من الحضور القائم على التكيّف والمشاركة، لا العزلة والانفصال.
ومع التحوّل إلى الدولة الوطنية الحديثة في القرن العشرين، أعادت الحدود السياسية الصلبة وخطابات السيادة تعريف العلاقة بين الهوية والدولة. ففي بعض السياقات، جرى تسييس الهوية وتحويلها إلى أداة صراع، بينما أُتيح في سياقات أخرى إعادة دمجها ضمن مفهوم المواطنة. وهنا تبرز الحالة الأردنية بوصفها نموذجاً دالاً على إمكانية تحويل العمق التاريخي إلى دور حضاري متجدد داخل الدولة الوطنية.
تشكل الوجود الكوردي في الأردن عبر موجات صغيرة ومتقطعة ارتبطت بالتحولات الإقليمية وبالوظائف العسكرية والإدارية، ثم تعزّز لاحقاً بعوامل مدنية واقتصادية. ولم تحمل هذه الهجرات مشروعاً سياسياً مغلقاً أو خطاباً هوياتياً صدامياً، بل اندمجت تدريجياً في المجتمع المحلي. وقد أسهم هذا التدرّج في جعل الاندماج يسير بصورة طبيعية، من دون أن يُنتج مطالب جماعية خاصة أو صراعات سياسية ذات طابع إثني، وهو ما ميّز التجربة الأردنية عن تجارب أخرى في الإقليم.
على المستوى الاجتماعي، لعبت المصاهرة وشبكات القرابة والعلاقات اليومية دوراً حاسماً في تحويل الاختلاف الثقافي إلى رابطة اجتماعية. فالمصاهرة لم تكن مجرد علاقة عائلية، بل آلية اجتماعية لتوسيع دوائر الانتماء، وإعادة إنتاج هوية وطنية مشتركة تستوعب التعدد من دون إنكاره. وقد عكست السجلات الشرعية في مدن أردنية مثل السلط حضوراً كوردياً مندمجاً في الملكية والزواج والمعاملات الاجتماعية منذ أواخر العهد العثماني، ما يدل على أن الاندماج كان مساراً تاريخياً ممتداً، لا ظاهرة طارئة.
أما ثقافياً، فقد حافظ الكورد على بعض الرموز في المجال الخاص، كالأغاني والمأكولات والذاكرة العائلية، من دون أن تتعارض هذه الممارسات مع الهوية الوطنية الجامعة. ولم يتشكّل حضورهم بوصفه ثقافة موازية أو منافسة، بل جزءاً من التنوع الثقافي الوطني الذي أسهم في إثراء التراث الشعبي وتعزيز التماسك الاجتماعي. وهنا تتجلّى خصوصية النموذج الأردني، حيث لم يُفضِ التعدد إلى انقسام هوياتي، بل إلى إعادة إنتاج المجال الاجتماعي في إطار وطني جامع.
سياسياً ومؤسسياً، اتّسم الدور الكوردي في الأردن بطابع وظيفي واضح، تجلّى في المشاركة في مؤسسات الدولة، والالتزام بالمرجعية الوطنية، وتغليب منطق المواطنة على الخطاب الهوياتي الضيِّق. فقد انخرط الكورد في مؤسسات الدولة المختلفة، وأسهموا في الحياة العامة من دون المطالبة بتمثيل سياسي قائم على أساس إثني. وقد أتاح هذا النمط من الاندماج تشكّل هوية مزدوجة هادئة، تُمارس فيها الخصوصية الثقافية في المجال الاجتماعي، بينما يحتل الانتماء الوطني موقع المرجعية السياسية العليا.
ومن منظور «أعمدة الأمة»، يمكن قراءة هذه التجربة باعتبارها انتقالاً من الهوية بوصفها علامة تمايز، إلى الدور بوصفه أداة اندماج. فالدور هو ما يمنح الهوية معناها العملي داخل الدولة، ويحدّد موقعها في الحاضر، ويمنعها من التحوّل إلى عبء سياسي. وحين تُدمج الهوية داخل وظيفة حضارية واجتماعية تخدم الدولة والمجتمع، تصبح رصيداً للاستقرار، لا عاملاً للتفكيك.
تكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في السياق العربي الراهن، حيث تعاني دول عديدة من توترات هوياتية حادة نتيجة اختلال العلاقة بين الدولة والتعدد. فحين تُفصل الهوية عن الدور، وتُقدَّم بوصفها أساساً للمطالبة السياسية، تميل إلى التحوّل إلى عامل توتّر. أما حين يُعاد تعريف الجماعات التاريخية من خلال أدوارها داخل الدولة، لا من خلال هوياتها المجردة، فإنها تتحوّل إلى عناصر استقرار وبناء.
إن التجربة الأردنية، في هذا السياق، لا تُقدَّم بوصفها حالة مثالية مكتملة، بل بوصفها نموذجاً قابلاً للتأمل والتحليل. فهي تكشف أن التوازن بين الدور والهوية ليس مستحيلاً، بل مشروط بإطار سياسي مستقر، وثقافة مواطنة راسخة، وغياب سياسات الإقصاء، ووجود مرجعية وطنية جامعة تتقدّم على الانقسامات الفرعية.
وعليه، فإن مفهوم «أعمدة الأمة»، كما يتجلّى في الحالة الأردنية، لا يستدعي الماضي بوصفه حنيناً، بل بوصفه أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. إنه إطار يعيد التفكير في العلاقة بين التعدد والدولة، وبين الهوية والمواطنة، على أساس التكامل الوظيفي والمرجعية الجامعة. وفي عالم عربي يشهد تحولات عميقة وتوترات مركّبة، يظل هذا التصور مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء الأمة بوصفها مشروعاً حضارياً مفتوحاً، قادراً على استيعاب التعدد من دون أن يفقد وحدته أو مقاصده الكبرى.
وفي هذا السياق، يمثّل كورد الأردن نموذجاً للنجاح الحضاري القائم على التوازن بين الخصوصية والانتماء الوطني. فقد أثبتت تجربتهم أن العمق التاريخي يمكن أن يتحوّل إلى قيمة مضافة داخل الدولة، لا إلى عبء سياسي أو مصدر توتّر. لقد اندمجوا في مؤسسات الدولة، وأسهموا في الاقتصاد والتعليم والخدمة العامة، مع الحفاظ على حضور ثقافي هادئ لا يتعارض مع الهوية الوطنية. ويكشف هذا النموذج أن الاندماج الناجح لا يقوم على الإلغاء ولا على الانغلاق، بل على التفاعل الواعي داخل إطار المواطنة، بما يجعل التعدد قوةً داعمةً للاستقرار وبناء الدولة، لا تحدياً لها.
