على الحدود الشمالية والشرقية لإقليم كوردستان، ثمة شواهد علمية على ثروة معدنية بباطن الأرض، قد تسهم في إعادة تشكيل مستقبل الاقتصاد المحلي، لاسيما أن بعض معادنها مطلوبة عالمياً في سباق التحول إلى الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة. جيولوجياً؛ يقع الإقليم ضمن حزام أوفيوليتي يمتد عبر تركيا وإيران، حيث تدير الدولتان العشرات من المناجم المنتجة للذهب والحديد والنحاس والكروم.
شواهد.. وعد جيولوجي أم مشروع مستقبلي حقيقي
منذ عقود، رصد الجيولوجيون الكثير من الشواهد المعدنية في جبال كوردستان. والشاهد المعدني في لغة المختصين يعني ببساطة أن هناك دليلاً على وجود معدن ما في المنطقة. لكنه ليس دليلاً كافياً على وجود خام تجاري. والفرق شاسع بين الاثنين. فما تم إنجازه من دراسات حول هذه الشواهد لا يتجاوز بين 40 الى 90 في المائة. وهذا يعني أن الانتقال إلى مرحلة الاستخراج الفعلي يتطلب استكمال أعمال التنقيب والحفر ودراسات الجدوى الاقتصادية. في عام 2016 نشرت وزارة الثروات الطبيعية خريطة واعدة قسمت الإقليم إلى سبع مناطق للاستثمار المعدني وكانت تلك الخطوة الوحيدة في هذا المجال.
الصور: ناصح علي خياط
كنوز في انتظار تقييم الاحتياطيات
تشير تقديرات وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم إلى وجود حزام معدني بعرض يتراوح بين 15 - 25 كيلومتراً، غني بالمعادن الفلزية واللافلزية. غير أن معظم البيانات المتاحة لا تزال في إطار غير قابل للاستثمار وخاصة تلك «الشواهد المعدنية»، أي مؤشرات أولية قد تدل على وجود خامات اقتصادية، من دون الوصول إلى مرحلة تحديد الاحتياطيات المؤكدة القابلة للاستثمار وفق المعايير المعروفة. كما أن نسب إنجاز الدراسات في عدد من المواقع لم تكتمل بعد، ما يعني أن الانتقال إلى الاستثمار التجاري يتطلب برامج مسح جيولوجي واستكشاف تفصيلي وأعمال حفر وتقييماً اقتصادياً وتجارياً دقيقاً.
شواهد المعادن الموجودة في إقليم كوردستان:
• النحاس: يتصدر القائمة، وهو معدن استراتيجي، والمواقع المؤشرة التي تضم كميات منه تقع شمال محافظة السليمانية، في منطقة ماوت.
• الرصاص والزنك: يوجدان معاً شرق مدينة قلعة دزة.
• النيكل والكروم: متوقع وجودهما في جبل قلندر شرق قضاء رواندوز، وفي منطقة رايات.
• اليورانيوم والثوريوم: معدنان مشعان، ومؤشر وجودهما قرب قرية هلشو في قضاء قلعة دزة.
• الحديد: موجود في منطقتين هما أسناوة شرق قضاء بنجوين، وكاني ماسي شمال قضاء العمادية.
• وإلى جانب هذه الشواهد الفلزية، يمتلك الإقليم كميات هائلة من الصخور الصناعية: الحجر الكلسي، والجبس، والأطيان، والحصى والرمال. وهذه قد تكون البوابة الأسهل للاستثمار، لأنها تدخل مباشرة في صناعات الأسمنت والطابوق والجبسم بورد، وقد تحتوي الأطيان الحمراء على معادن طينية تُستخدم في حفر الآبار النفطية وأعمال الحقن في أساسات المشاريع الهندسية العملاقة.
لماذا لم تطلق استثمارات في هذا القطاع
هناك أربعة عوائق رئيسية تقف في طريق تحويل ثروات باطن الأرض من المعادن إلى مناجم منتجة:
1. غياب القانون المُنظم: لا يوجد تشريع قانوني خاص بقطاع التعدين يحدد حقوق المستثمر والتزامات الإقليم، والتشريع هذا شرط أساسي لجذب الاستثمارات كونه ينظم الرخصة والحوافز والامتيازات والضرائب وغيرها.
2. الطبيعة الجغرافية: معظم الشواهد المعدنية تتركز في مناطق جبلية على الحدود مع إيران وتركيا، وهي مناطق تفتقر لبنى تحتية من طرق مناسبة لحركة الآليات الضخمة وكهرباء تساعد في انتقال الشركات إليها.
3. غياب الثقافة التعدينية: الإقليم وحتى العراق، ليس لديه تاريخ في موضوع المناجم. لذا، فإن العمل في هذا القطاع غير معروف والمخاطر المهنية تتطلب وعياً وتدريباً.
4. مخاطر بيئية: المناطق الحدودية، حيث تتركز المعادن، كانت مسرحاً لعمليات عسكرية سابقة. ملايين الألغام والمقذوفات غير المنفلقة لا تزال تشكل تهديداً حقيقياً للسلامة.
خطوات ضرورية
إذا أراد الإقليم تحويل هذه الثروات إلى قطاع اقتصادي حقيقي، فالطريق يمر ببعض الخطوات الضرورية:
- الإمكانات الجيولوجية موجودة. والطلب العالمي على المعادن في تصاعد. والعوائق معروفة وقابلة للحل. فما تبقى هي الإرادة لتحويل «الاحتمال الجيولوجي» إلى «مشروع اقتصادي».
- فإن توفرت التشريعات، وأُنشئت هيئة مختصة، وأُطلق برنامج للمسح والاستكشاف، فقد يصبح التعدين خلال سنوات قليلة رافعة اقتصادية مهمة.