من وسط الفقر والمجالس الريفية الصاخبة التي يزينها شاي الحطب في ليالي الشتاء، إلى أسطح المنازل في الصيف حيث تنهمر الأغاني بعفوية على ضوء النجوم، ومن مقاعد المدارس إلى سجون وان، ومن دروب الغابات والهروب بعد انقلاب 1980 إلى خشبات المسرح في هولندا… يمتدّ صوت الفنان الكوردي برادَرْ Birader كحكاية قومية وموسيقية وإنسانية، تروي وجع الكوردي، ووعيه، ومقاومته من أجل الحرية.
برادر ليس فناناً قادماً من أكاديميات الفن والغناء. بل هو ابن بيئة بسيطة ولد في قرية من قرى ماردين، نهل من ثقافة والده الغنائية، وتغذّى بالوعي القومي مبكراً، وعاش السجن والمنفى وخوف الملاحقة. شارك في الحركة الثقافية الكوردية وأبدع في الغناء والتلحين والتمثيل، من دون أن يفقد روحه الطفولية النقية التي خطّت ملامحه الأولى على «زمارة» أو كما يطلق عليها بالكوردية «توتوك». أدناه حوار مطوّل أجرته مجلة «كوردستان بالعربي» مع الفنان برادر، الذي فتح قلبه وحكايته كاملة، من دون مواربة ولا اختصار.
برادر محاطاً بأفراد عائلته
ذاك المجلس الذي كوّنني
«كان مجلس أبي عامراً كل ليلة»، يقول الفنان بهدوئه المعهود ونبرته القوية، خاصةً في ليالي الشتاء، إذ يبقى موقد الحطب مشتعلاً حتى الفجر، وفوقه إبريق الشاي. ويأتي القرويون إلى المجلس بالحطب والسكر والشاي. «كنت أحضر تلك المجالس حتى نهايتها بينما كان إخوتي ينامون. أتذكر كلمات بعض الزوار الكبار يخاطبونني: اذهب إلى النوم. لكن والدي كان يرد: دعوه. إنه يشتري الآن، وسيأتي يوم ليبيع هو أيضاً»، وكان يقصد أنني أتعلم من هذه المجالس ما سينفعني في المستقبل.
كان والدي يغني لجلسائه، يحكي لهم القصص والنوادر. وكان قد خدم في صفوف الجيش العثماني في كركوك، وكثيراً ما كان يحدّث جلساءه عن تلك المدينة.
طفولة الغصّات… وأغاني النجوم
وعن طفولته يقول برادر «عشنا طفولة قاسية. لكنها لم تخلُ من لحظات السعادة البريئة. كنا نتجول في التلال القريبة من قريتنا لنجمع أعشاب الربيع ونقطف البلوط. كنا ننحت الحجارة على شكل كرات صغيرة لنلعب بها، حفاة، من دون أن يهمنا ذلك».
ويضيف: «في ليالي الصيف، حين كنا ننام على الأسطح، كنت أحدّق في النجوم، فيجيش صدري بالأغاني. وأغني ما يخطر على بالي. كان عمي ينهرني، لكن والدي كان يقول: فليغنِ الولد. دعه يغني. كان ذلك قبل أن ألتحق بالمدرسة. حتى أنني بدأت بتأليف كلمات أغان ومن ثم غنائها بنفسي».
كان والدي يغني أغنية بعنوان «شيخي زراڤ» أو «الشيخ النحيل»، عن الشيخ محمود الحفيد وثورته ضد الإنكليز، وهي بالأصل أغنية لكاويس آغا، وفيها جملة مثيرة تقول إن «الكورد خونة».
وحين قاطعناه لنذكر أن البارزاني الراحل كان يحب كاويس آغا وأغانيه لكنه كان يعترض على تلك العبارة تحديداً، أجاب: «الذي سلّم الشيخ محمود إلى الضابط الإنكليزي كان رجلاً كوردياً. وربما كاويس آغا يقصده بالذات».
زمارة بدل الحذاء… وبزوغ الهوية
أما عن أول آلة موسيقية امتلكها برادر، فيقول: «في طفولتي، وقبل أن ألتحق بالمدرسة، اشتريت زمّارة (توتوك) من بائع متجول، بعد أن بادلته حذائي البلاستيكي بها. دخلت عالم الموسيقى ابتداءً من تلك الزمارة».
وفي أعوام السبعينات، حين هبّت رياح الوعي القومي الثوري، تخلص الشباب نسبياً من آثار الصهر القومي «الذي تعرضنا له في المدرسة. كان للطلاب دور بارز في نشر الوعي، امتداداً لحركة 1949 التي كان من أبرز رموزها الكاتب موسى عنتر في دياربكر. كما أثّرت ثورة أيلول في كوردستان العراق على وعينا». ويضيف برادر عن هذه الحقبة: «كانت صورة المقاتلة الأيقونية مارغريت جورج معلّقة في بيتنا ضمن إطار زجاجي، وكان الناس يخلطون بينها وبين البطلة الشهيدة ليلى قاسم. لكننا عرفنا لاحقاً أنها مقاتلة آشورية في صفوف الپيشمركة».
من الكلاسيك إلى الطنبور… ومن المدرسة إلى السجن
يقول برادر إنه في الحفلات المدرسية، كان يغني بالتركية لمغنين مثل يونس أمراه وداوود سولاري. «وكانت معلمة الموسيقى توجهني للغناء الكلاسيكي، بينما كانت هناك معلمة من أورفة تقول إن اللون الشعبي أنسب لي. فكنت حائراً بينهما».
وفي عمر 16 عاماً، أصبح برادر مسؤول البث المدرسي في المرحلة الإعدادية. «ومع نهاية العام، افتتحت معرضاً مدرسياً منوعاً، فيه مسرح ومنصة للغناء ومكتبة».
لكن النشاط الطلابي لم يخلُ من التبعات، فقد تعرّض 8 من زملائه للنفي. «قمنا بالاحتجاج، فجاءت الشرطة واعتقلتني مع زميل لي بسيارة جيب عسكرية تمهيداً لنفينا. لكن شقيقي الأكبر تدخل ومنع ذلك».
أكمل برادر الدراسة في مدينة «وان». وفي تلك المرحلة، عادت والدته من الحج ومعها آلة تسجيل. فبدأ يستمع ويدوّن صوته وعزفه على آلة الطنبور. «كنت أردد أغاني شڤان، وجوتيار، وفريد أوزون، وآرام تيكران. لم أحب تقليد أحد، وكنت أحاول أن أغني مثل والدي. لكنني تأثرت أيضاً بالمغني عاشق شريف محسوني، وعاشق أحمد التركي، والمطرب زَماني». (كلمة «عاشق» تطلق في الكوردية والتركية على كل من يغني أغاني الغزل).
وفي شتاء 1976، اعتُقل برادر قبل أن يبلغ الثامنة عشرة. وبقي رهن التحقيق والحجز، لمدة شهر، «ثم نقلوني إلى المحكمة، وانتظروا بلوغي السن القانونية لإرسالي إلى السجن».
أغنية الوطن… في زنزانة «وان»
ركز المحققون معه على أغنية «ولات كانيا زێرايه» (الوطن نبع الذهب) التي كان يغنيها فنانون من روجآفا، و«كانت ممنوعة لدينا. كنا نسمعها من كاسيتات سريّة. سمعت صوت محمد شيخو لأول مرة عام 1977».
بعد أربعة أشهر في سجن «وان»، أصبح برادر أكثر وعياً بقوميته وطلب من أهله أن يحضروا له آلة الطنبور إلى السجن. ولحسن حظه، انهارت حكومة الجبهة القومية وأصبح بولنت أجاويد رئيساً للوزراء، فخُففت القيود. «كنت أعزف كل يوم أحد أمام ثلاثة آلاف سجين»، يقول برادر، ويضيف: «وبعد خروجي من السجن، رفضتْ المدرسة استقبالي بحجة أن السنة الدراسية فاتتني. ذهبت إلى نهر قريب من المدرسة، عزفت عزفاً وداعياً، وعدت إلى ماردين. امتدت دراستي أربع سنوات في (وان)، ومع حساب السجن والأشهر الضائعة تصبح خمس سنوات».
في نهاية 1979، نُفي برادر إلى قونية لإكمال الدراسة. لكنه تركها بسبب هجمات الفاشيست واعتقالات الشرطة المتكررة. و«بعد انقلاب أيلول 1980، هربت وعملت في الغابات متخفياً، ثم عدت إلى قريتي، لكنني لم أكن أنام في المنزل. لأن كثيراً من زملائي اعتقلوا، وأُرسلوا إلى سجن دياربكر بتهم الانفصال أو الشيوعية».
برادر يعزف على آلة الطنبور أيام شبابه
الهروب إلى أوروبا… والفن في المنفى
كانت لي علاقات مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في «وان». في بيت العم عمر، «تعرفت على قادة الحزب، وكان كثير من عناصر الپيشمركة يتلقون العلاج في بيته. كنا نجتمع لنغني أنا وابنته».
يطول الحديث مع هذا الفنان الذي ترك بصمة واضحة على الغناء الكوردي المعاصر. يحدثنا عن آماله وآلامه، عن سيرته الفنية الممتدة لأكثر من أربعين عاماً. نسأله ونحن نشعر بأن الحديث على وشك الوصول إلى نهايته: «ما رأيك في الحب؟»، فيجيب وعيناه تلمعان: «الحب كلمة صغيرة لكنها تحمل معاني عظيمة. هو يقظة المشاعر، سواء بين شخصين، أو بين الإنسان والطبيعة. أقصد الحب النقي، الخالي من الأهداف والمنافع. عندما يصبح الحب مجرد شهوة، يفقد معناه».
ربما لا يعرف كثيرون أن برادر يمارس التمثيل أيضاً. وشارك في عدة أفلام في هولندا، وقد بدأ التمثيل أثناء دراسته. أول أفلامه الطويلة كان عام 1996 عن أطفال اللاجئين الكورد، ثم شارك في أدوار متعددة في أفلام هولندية وكوردية. مؤخراً، تلقى عرضاً للمشاركة في فيلم هولندي لمنتج كوردي، مدته عشرون دقيقة.
ينتهي الحديث لكن صدى ذكريات الفنان برادر تبقى تتردد كأجراس بعيدة.