«كِچي كافروش» أسطورة وجهٍ واحد في مرايا متعددة
«كِچي كافروش» أسطورة وجهٍ واحد في مرايا متعددة

في زاويةٍ شبه منسية من متحف الذاكرة الشعبية، تجلس فتاة بعينين واسعتين تحدّقان في أفقٍ لا يراه سواها. ينسدل شعرها الفاحم على كتفيها، ويشي ثوبها المطرّز بأصولٍ يختلف الرواة في تحديدها. ابتسامتها غائبة، لكن نظرتها تملأ المكان حضوراً. لا أحد يعرف اسمها الحقيقي، ولا أحد يعرف على وجه اليقين من رَسَمَها. ومع ذلك، نادراً ما خلا بيتٌ – من أهوار جنوب العراق إلى قلاع كوردستان، ومن مقاهي الأناضول إلى دواوين الأردن وأزقة دمشق – من صورتها طوال عقود.

إنها «كِچي كافروش» (أي ابنة التبّان بالكوردية)، أو بنت المعيدي، أو صمانجي قيزي، أو فاطمة، أو فطّومة، أو جميلة، أو ليلى. امرأة واحدة، وأممٌ شتى، وأسطورة تتشعّب كالنهر حين يبلغ دلتا المصبّ.

الوجه الذي أربك الشرق

في مطلع القرن العشرين، حين كانت الطباعة الملوّنة ضرباً من السحر في عيون الناس، وكانت صورة امرأة جميلة على جدار بيتٍ تمثّل ثروة بصرية نادرة، انتشر بورتريه لفتاة مجهولة الهوية بسرعة لم تعرفها وسائل الإعلام في ذلك الزمن. لم تكن هناك شبكات اجتماعية، ولا فضائيات، ولا منصات رقمية. كان هناك الناس فقط، وبصيرتهم الفطرية بالجمال؛ وهذا وحده كان كافياً.

تجاوزت الصورة الحواجز كلها: اللغة، والعرق، والطائفة، والجغرافيا. ورأى كل شعب في هذا الوجه ما يريد أن يراه: نسبه، وفخره، ومأساته، وجمال ما فقده.

حين يتحوّل الجمال إلى ملحمة قومية

في كوردستان، لم تكن «كِچي كافروش» مجرد صورة معلّقة على الحائط؛ كانت رمزاً وطنياً مكتمل الدلالة، يحمل في ثناياه آلام شعبٍ رأى أرضه تُنتزع وكرامته تُنتهك.

تقول الرواية الكوردية الشائعة إن الفتاة، ابنة التبّان في قلب مدينة أربيل، أو في مناطق كويسنجق في بعض الروايات، كانت تسير بين الناس بجمالٍ آسر، حتى جاء الاحتلال البريطاني عام 1918. رأى ضابط بريطاني ذلك الوجه فانبهر، وأرسل الوفود والأشراف لخطبتها، وحين أغلقت الأعراف العشائرية في وجهه الأبواب، لجأ إلى منطق القوة. فاختطفها بطائرته ومضى. غير أن الفتاة – كما تهمس الرواية بنبرةٍ ملحمية – لم تستسلم. قفزت من الطائرة في الهواء، فاختارت الموت حرّة على حياة الأسر والعبودية.

تحوّلت هذه اللحظة الدرامية في المخيال الكوردي إلى ما يشبه أسطورة أنتيغون «فتاة تختار المبدأ على الحياة، فتصير خالدة». غنّى لها مطربون كثر من الكورد، مثل حسن زيرك عام 1950، ثم محمد أحمد أربيلي عام 1970. وامتلأت بيوت كوردستان بصورتها حتى قيل إنه لا بيت كوردياً أفلت من سحرها. وصار معيار الجمال الأنثوي يُقاس بها، مثلما يُقاس الجمال في فرنسا بالموناليزا.

لم تكن المقارنة بلوحة ليوناردو دافينشي ضرباً من الزهو الشعبي، بل تعبيراً عن إحساسٍ حقيقي: ففي هذا الوجه غموض جيوكاندا، وفي حضوره تجربة وجدانية تتجاوز المتعة البصرية.

امتداد الأسطورة.. الوجه ذاته في مرايا مختلفة

لكن المفارقة تبدأ حين نغادر كوردستان ونجوب الثقافات المجاورة.

في جنوب العراق، صارت الفتاة «بنت المعيدي»: فلاحة من أهوار العمارة، ابنة مِعداني (مربي جواميس)، رأى جمالها ضابط بريطاني يُدعى «مكسن»، فأرسل وجهاء المدينة خطّابين. وحين صدّه اختلاف الدين والعرف، اختطفها إلى لندن. وتتباين النهايات من رواية إلى أخرى: زوجة الضابط الأولى تقتل وليد الفتاة العراقية، فتنتقم بنت المعيدي وتلجأ للهرب؛ أو تقفز من الطائرة؛ أو تعيش في لندن حياة هادئة. لكن يبقى جوهر الحكاية وثيمتها ثابتاً: جمالٌ يُنتزع، وكرامةٌ تدافع عن نفسها.

أما لدى التركمان العراقيين فسمّوها «صمانجي قيزي» (أي ابنة التبّان)، ترجمةً حرفية لاسمها الكوردي. وفي تركيا عُرفت باسم «بنت الحدباء». وفي سوريا صارت «فطّومة» المغربية التي تزوجها السلطان العثماني. وفي الأردن زيّنت صورتها الدواوين باسم «فاطمة المغربية». ومع اندلاع الثورة الجزائرية، رأى الجزائريون في ملامحها شبهاً بالمناضلة جميلة بوحيرد، بل ذهب بعضهم إلى القول إنها أختها. وفي مصر، والحجاز، والمغرب، تكررت الحكاية بأسماءٍ جديدة ونِسَبٍ مختلفة.

كل شعب ادّعى ملكيتها، وكل ثقافة ألبستها ثوبها، وأضافت إلى قصتها فصلاً من ذاكرتها الخاصة.

الحقيقة خلف الأسطورة

هنا يتقدم الباحث العراقي شاكر لعيبي بمقاربته النقدية. ففي دراسة نشرها عام 2017، رجّح أن أصل الصورة يعود إلى أرشيف فوتوغرافي مؤرخ عام 1880، من توقيع الإخوة عبد الله (Abdullah Frères) وهم ثلاثة مصورين أرمن كانوا مصوّرين رسميين للدولة العثمانية.

الفتاة في الصورة الأصلية كانت موديلاً مجهول الهوية، يُرجّح أنها تركية من إسطنبول، ترتدي أزياء القرن التاسع عشر، وتنظر بعيون هائمة إلى زاويةٍ خالية.

في مرحلة لاحقة، أعاد رسّام مجهول رسم الصورة، مضيفاً إليها «المزاج الريفي والتزويقية الشعبية» كما وصفه لعيبي. وغيّر زاوية النظرة قليلاً، فأفقدها شيئاً من غموضها الأصلي، لكنه منحها دفئاً يليق بجمهور مختلف عن جمهور الصالونات العثمانية. ثم طُبعت اللوحة في بريطانيا وألمانيا، وانتشرت في جهاتٍ شتى. ومع غياب اسم الرسام ووضوح المصدر، ارتفعت الصورة نحو مصاف الأسطورة.

ما الذي تقوله لنا هذه الفتاة؟

إن «كشف» الأصل التاريخي للصورة والفتاة لا يبدد جوهر الحكاية. بل لعلّه يضيء معناها الأعمق.

كيف استطاعت صورة فتاة مجهولة، ربما التُقطت في إسطنبول قبل نحو مائة وخمسة وأربعين عاماً، أن تصبح رمزاً للجمال في كوردستان، ورمزاً للشرف في أهوار العراق، ورمزاً للمقاومة في الجزائر، ورمزاً للوعة في الأردن، وأيقونة عشق في تركيا؟

الجواب يكشف طبيعة بشرية دقيقة: نحن لا نحب الجمال فحسب؛ بل نحتاج أن ننسبه إلينا، وأن نكسوه بحكاية تشبهنا.

الأكثر إدهاشاً أن بنية القصص متطابقة: جمالٌ محلي يُختطف بقوة استعمارية، وكرامةٌ تقاوم. هذا ليس مجرد تشابه تخييلي، بل انعكاساً لتجربة تاريخية مشتركة عاشتها هذه الشعوب في زمن الاستعمار.

الفتاة المجهولة غدت وعاءً رمزياً يملؤه كل شعب بجرحه الخاص. وهذا، بالمعنى الأنثروبولوجي والأدبي، تعريفٌ للأسطورة الحقيقية.

ما الذي يميّزها عن الموناليزا؟

المقارنة بلوحة دافينشي لم تكن عرضاً عابراً. فكلتاهما وجه امرأة، ونظرة لا تبوح بسرّها، وحضور يثير التساؤل والغموض أكثر مما يمنح الإجابة والوضوح.

لكن الفارق الجوهري أن لوحة دافينشي تنتمي إلى عالم المتاحف والنخب، بينما «كِچي كافروش» كانت لوحة الفقراء والمهمّشين. كانت تتربع فوق الطابوق الخام لا فوق الرخام. كانت حاضرة في المقاهي والمضافات والغرف البسيطة، لا في صالات العرض الكبرى.

ولهذا، ربما كانت أكثر تأثيراً في الوعي الجمعي الحقيقي؛ فالموناليزا يعرفها الجميع، لكن لا أحد يمتلكها. أما «كِچي كافروش»، فقد امتلكها الناس، وامتلكتهم.

خاتمة.. الأسطورة الخالدة

الأسطورة لا تحتضر حين يُكشف عن جذورها، بل تموت حين تعجز عن احتضان الحقيقة الإنسانية التي نبتت من أجلها. وهذه الأسطورة ما تزال حيّة؛ لأنها تختزن حقيقةً لافتة مفادها: أن شعوباً مختلفة في اللغة والدين والعرق، وجدت في وجهٍ واحد مرآةً لجرحها المشترك، وحلمها المشترك، وتعريفها المشترك للجمال حين يلتقي بالمصير.

«كِچي كافروش» لا تزال تحدّق في أفقها البعيد. ونحن لا نزال نحاول أن نفهم ما الذي تراه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* استند هذا المقال إلى أبحاث الناقد شاكر لعيبي، ودراسات الدكتور فرهاد پيربال، وشهادات باحثين وكتّاب من العراق وكوردستان


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved