في السادس عشر من فبراير 2026، لم يكن جبل كورك مجرد قمة جبلية تعلوها الثلوج؛ كان مسرحاً لحدث بات تقليداً سنوياً راسخاً. احتضن المنتجع نسخته الخامسة من مهرجان الثلج والتزلج، بمشاركة أكثر من خمسين رياضياً من داخل العراق وخارجه، ومن دول أوروبية، فضلاً عن الرياضيين المحليين من مناطق إدارة سوران المستقلة.
الصورة: سفين حميد
امتد الحدث على مدى يومين حافلين بالمسابقات والفعاليات الترفيهية، وكشف هونر محمود، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات في سياحة سوران، أن المهرجان يهدف إلى تعزيز السياحة الشتوية واستقطاب الزوار من وسط العراق وجنوبه، إلى جانب السياح الأوروبيين. ولفت إلى أن كورك يظل المنتجع الوحيد في العراق الذي يحتضن هذا الحدث، مؤكداً أن ثمة إمكانات حقيقية لتطوير مساراته واستضافة بطولات رسمية في السنوات القادمة.
هذا الزخم لا يُخفيه الرقم وحده، بل يُجسّده أيضاً من يُقبلون على المنحدرات يوماً بعد يوم. محمد حاجي، الشاب الثلاثيني من قضاء جومان، واحدٌ من هؤلاء؛ يشارك في المهرجان منذ خمس سنوات متواصلة، ولا يُفوّت موسماً. يقول لـ«كوردستان بالعربي» بابتسامة لا تفارق وجهه: «هي متعة حقيقية تجلب لي سعادة لا توصف، وفي كل عام أُدرك أنني أصبحت أفضل مما كنت عليه». شهادة حاجي ليست استثناءً، بل هي صدى لأصوات جيل يكتشف في التزلج هويةً رياضية لم يعهدها آباؤه.
هوشمند دركلي (يسار) لدى استلامه إحدى الجوائز
وهو ما يؤكده أيضاً هوشمند دركلي، المتزلج الكوردي الحائز على جوائز دولية، الذي يرى في هذه الرياضة «وسيلةً للمتعة والترفيه وإظهار المهارات»، مُقراً بأنها لا تزال ناشئة في الإقليم، «لم تكن بشكل واسع من قبل، لكن السنوات الأخيرة حملت تحولاً حقيقياً بفضل الاهتمام الحكومي المتزايد، والإقبال الكبير من الجيل الجديد». ويذهب دركلي إلى أبعد من ذلك حين يرى أن التزلج سيغدو «عاملاً محورياً في تطوير السياحة الشتوية»، لا سيما مع ما يتيحه من فرص لاستقطاب رياضيين إقليميين ودوليين، غير أنه يشترط لذلك تجاوز عقبة جوهرية: «نحتاج إلى ملاعب جديدة أكثر ملاءمةً في مواقع متعددة؛ لا يمكن أن نضع كل رهاناتنا على جبل كورك وحده».
الرهان على التنويع الجغرافي يتقاطع مع رؤية الجانب الرسمي تماماً. فالدكتور فيصل صادق توفيق، المدير العام للسياحة في إدارة سوران المستقلة، يؤكد في تصريح حصري لمجلة «كوردستان بالعربي» أن المنطقة تزخر بمواقع جبلية تمتلك مقومات طبيعية واعدة لتوسيع نطاق السياحة الشتوية، من بينها جبل حسن بك وزوزك وحاجي عمران وسكران وهلگورد، فهذه المواقع «تحتاج فقط إلى بنية تحتية وخدمات تؤهلها لاستقبال السياح». ويرسم توفيق صورة أشمل لمسيرة كورك، إذ يصفه بأنه «أهم المشاريع السياحية في الإقليم وأبرزها»، مستقطباً آلاف السياح سنوياً، ومُتصدّراً قائمة الوجهات الشتوية على مستوى كوردستان.
الدكتور فيصل صادق توفيق المدير العام للسياحة في إدارة سوران المستقلة
ويكشف توفيق أن المديرية تعمل ضمن رؤية استراتيجية متكاملة «تهدف إلى ترسيخ مكانة كورك كمنتجع شتوي من الطراز الأول، عبر تطوير البنية التحتية وتنظيم مسارات التزلج وتحسين منظومة النقل والتلفريك، إضافة إلى تشجيع الاستثمارات السياحية النوعية». ومن أبرز ما تحقق في هذا الإطار افتتاح فندق «راديسون بلو» ذي الخمس نجوم الذي «شكّل إضافة نوعية لقطاع الإقامة في المنطقة»، فيما يجري العمل على استكمال أكبر مسبح في الإقليم، بهدف تحويل كورك إلى وجهة سياحية نشطة على مدار العام ولا تتوقف عند نهاية موسم الثلوج.
هذا التوجه يترجمه هونر محمود بأرقام أكثر تفصيلًا؛ إذ يشير إلى أن الحكومة ضخّت استثمارات تجاوزت 7.5 مليار دولار في البنية التحتية خلال خمس سنوات، في إطار خطة استراتيجية شاملة تُشرف عليها مباشرةً رئاسة الوزراء في إقليم كوردستان، وتستهدف استقطاب عشرين مليون سائح بحلول عام 2030. ويُشدّد محمود على أن الاستدامة تتطلب خطوات عملية لا تقبل التأجيل، في مقدمتها توفير آلات تصنيع الثلج الاصطناعي لتعويض شُح التساقط الطبيعي في بعض المواسم، وتوسيع المسارات لتستوعب مستويات متقدمة، وتدريب كوادر محلية متخصصة، وتبنّي استراتيجية تسويق دولية فاعلة.
وعلى صعيد الأثر الاقتصادي، يُبيّن توفيق أن موسم التزلج لم يعد حدثاً رياضياً معزولاً، بل بات محركاً اقتصادياً حقيقياً «ينشّط قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق الشعبية، ويوفر فرص عمل واسعة لا سيما للشباب»، مع توقعات بمضاعفة أعداد الزوار التي تشهد ارتفاعاً ملحوظاً من عام إلى آخر، فور اكتمال المشاريع الجارية.
كل هذه الشواهد تصبّ في خلاصة واحدة: جبل كورك لم يعد مجرد منتجع موسمي يصحو مع الثلج وينام معه، بل يسعى ليكون نموذجاً لسياحة جبلية متكاملة تضع كوردستان على الخارطة الشتوية الدولية. والطريق إلى ذلك، كما يتفق الجميع، يمر عبر الاستثمار في البنية التحتية، وتنويع المواقع، وصناعة جيل من الرياضيين الذين يرون في كل موسم ثلجي فرصةً جديدة للنمو، تماماً كمحمد حاجي الذي يعود كل عام إلى المنحدرات، لا لأنه مضطر، بل لأن الثلج علّمه أن التقدم لا يتوقف.