أنامل رقيقة تحول الخردة إلى تحف
أنامل رقيقة تحول الخردة إلى تحف

في أحد أسواق السليمانية القديمة، بين أكوام قطع الأنتيك المُغبرة والتحف المنسية، كان زوجها يمضي ساعات يقلّب في وجوه الساعات العتيقة التي توقف الزمن عن عقاربها منذ نصف قرن. لم تكن ميديا ترى فيها مجرد معادن صدئة أو زجاج مُعتم، بل كانت ترى إمكانية للحياة، قصة تنتظر من يرويها. تقول ميديا ضاحكة: «كان زوجي يقول لي إنه يجمعها للاستثمار، وأنا كنت أراها مجرد (خردة) تشغل مساحة البيت. لكن الله يقدّر الخير حيث يشاء، من هذه (الخردة) صنعتُ اسمي».

هكذا تبدأ حكاية امرأة في الخامسة والأربعين، لم تكمل تعليمها بعد الصف الثالث المتوسط، لكنها اليوم توقع إبداعاتها من اللؤلؤ الطبيعي والأحجار الكريمة على منصات العرض في كوردستان وخارجها. ميديا عمر ليست مجرد مصممة إكسسوارات، بل حارسة لذاكرة شعب، تعيد صياغة التراث بأصابع لم تعرف يوماً سوى الخياطة والحلم.

الصور: ناصح علي خياط

الرحلة التي بدأتها بإبرة خياطة

لم يكن طريق ميديا مفروشاً بالورود. ففي قرية كوردية صغيرة، كان الحلم بالتصميم ترفاً لا تتحمله جيوب العوائل البسيطة. تروي ميديا في لقاء مع «كوردستان بالعربي»: «كنت أخيط أثوابي بنفسي، ليس لأنني كنت موهوبة، بل لأن شراء الجاهز كان مكلفاً. كنت أقضي ساعات طويلة لأطرز فستاناً لمناسبة، وعيون أمي تملؤها الدموع خوفاً عليّ من التعب، وفرحاً بما أصنع». هذا الصراع المبكر بين الإرادة والإمكانيات المحدودة هو ما شكّل فلسفتها لاحقاً: «الجمال ليس غالياً، لكن الأصالة تحتاج إلى صبر»، أضافت ميديا.

من زاوية زوجية إلى ورشة إبداع

كانت نقطة التحول الحاسمة في عام 2020، عندما خرجت ميديا من عباءة الخوف إلى فضاء المعارض. الداعم الأول كان زوجها الذي لم يتردد لحظة في وضع مجموعته الثمينة من الساعات تحت تصرفها. تقول ميديا وعيناها تلمعان: «لم يقل لي هذه مقتنياتي الثمينة. بل قال: جربي، إن فشلتِ فالساعات ستعود إلى مكانها، وإن نجحتِ فسينجح حلمنا معاً».

هذا الدعم اللامحدود من الزوج، في مجتمع قد لا ينظر بعين الرضا لخروج المرأة إلى سوق العمل في هذا العمر المتأخر، كان بمثابة الوقود الذي أشعل شرارة الانطلاقة. النتيجة كانت أول مجموعة من الساعات المعاد تدويرها، والمحاطة بعقود من اللؤلؤ الأبيض، التي أحدثت ضجة في أول معرض فني مشترك.


سوق التصميم

ما يميز ميديا في سوق يزدحم بالمصممات هو إيمانها بأن الإكسسوار ليس مجرد زينة، بل امتداد للهوية. تقول: «كل حجر عندي له قصة. العقيق أحضره من الكهوف والجبال كنت أزورها مع جدتي. الفيروز أشتريه من تاجر كبير في أربيل، لكني أصر على أن يكون طبيعياً، لأن الصناعي ليس فيه روح».

هذه المبادئ في العمل جعلتها تمشي عكس التيار. عندما لجأت مصممات أخريات إلى المواد الرخيصة وسريعة الإنتاج، تمسكت ميديا بالغالي والنادر، الأمر الذي جعلها تخسر الكثير من الزبائن في البداية «لأن أسعار القطع التي كنت أصنعها كانت أعلى.. ذلك أبكاني كثيراً، لكني قلت لنفسي: إما أن أكون مقلدة لغيري أو أكون المصممة التي سيبحث عنها الناس»، فمالت في النهاية إلى الخيار الثاني.


رأي زبونة

شازه أحمد، إحدى أقدم زبونات ميديا، تروي لحظة مؤثرة: «اشتريت منها عقداً من المرجان لأمي قبل وفاتها بسنة. كانت أمي مريضة ولم تكن تخرج كثيراً.. لكن في عيد نوروز، أصرت أن تلبس العقد وتزور العائلة». 

وأضافت لـ«كوردستان بالعربي»: «هذا العقد فيه دفء أمي، بعد رحيلها احتفظت بالعقد كأثر مقدس. هذه ليست قطعة زينة، بل جزءاً من تاريخ عائلتنا».


المستقبل الطموح

اليوم، وبعد أن أنتجت ميديا ما يقرب من 15 ألف قطعة وشاركت في 250 معرضاً، تقف على أعتاب حلم جديد، «أريد مشغلاً كبيراً، ليس فقط لعرض أعمالي، بل لتعليم النساء الأخريات. هناك أرامل ومطلقات يبحثن عن مصدر دخل كريم. لماذا لا يكون صنع الحلي من التراث مصدر رزق لهن».


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved