يشكّل السادس عشر من آب (أغسطس) محطة استثنائية في الذاكرة السياسية الكوردستانية، إذ لا يقتصر هذا التاريخ على ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بل يتزامن أيضاً مع بلوغ الرئيس مسعود بارزاني عامه الثمانين، في استحضار لمسيرة زعيم نذر حياته لقضية شعبه، وسط التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة، ليصبح الرقم الأبرز والممثل التاريخي لقضية الكورد في المحافل الدولية.
وُلد مسعود بارزاني في 16 آب (أغسطس) 1946 في مدينة مهاباد، عاصمة «جمهورية كوردستان»، أول كيان سياسي كوردي معاصر. ونشأ في بيئة وطنية نضالية، بقيادة والده الزعيم التاريخي الملا مصطفى بارزاني، ليدفعه الواجب القومي في سن السادسة عشرة إلى ترك مقاعد الدراسة وحمل السلاح، منضماً إلى صفوف قوات البيشمركة عام 1962، وهي الهوية التي ما زال يعتز بها حتى اليوم، إذ يصف نفسه بأنه «بيشمركة في خدمة وطنه».
برز بارزاني كمهندس سياسي ومفاوض محنك منذ سبعينيات القرن الماضي، من خلال مشاركته في وفود التفاوض مع بغداد. وعقب نكسة عام 1975، تولى بالتعاون مع شقيقه الراحل إدريس بارزاني إعادة تنظيم الثورة وتأسيس «القيادة المؤقتة».
وبعد رحيل والده عام 1979، انتُخب رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليتحمل قيادة الحركة التحررية في أصعب محطاتها التاريخية، حيث نجا من محاولة اغتيال في فيينا، وعاش مأساة حملات «أنفال البارزانيين» عام 1983، التي أسفرت عن تغييب ثمانية آلاف مواطن، بينهم 37 فرداً من أفراد أسرته.
توّج الرئيس بارزاني نضاله الميداني عام 1991 بقيادته «انتفاضة ربيع كوردستان» وتحرير مدن الإقليم من قبضة النظام السابق. ومن قضاء كويسنجق، أطلق رؤيته التاريخية التي أرست قواعد الحكم الحديث، داعياً إلى التحول من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية عبر الانتخابات وتأسيس البرلمان، وهو ما شكّل حجر الأساس لكيان إقليم كوردستان الفيدرالي.
وفي عام 2005، انتُخب أول رئيس لإقليم كوردستان، ليقود مرحلة غير مسبوقة من الازدهار الاقتصادي والانفتاح الدبلوماسي.
وعلى الصعيد الدولي، حقق بارزاني مكانة دبلوماسية غير مسبوقة للكورد، إذ استُقبل في كبرى العواصم العالمية بمراسيم استقبال رؤساء الدول، والتقى رؤساء الولايات المتحدة في البيت الأبيض ثماني مرات، محافظاً في كل ذلك على ارتداء الزي القومي الكوردي.
وعندما اجتاح تنظيم «داعش» الإرهابي المنطقة عام 2014، عاد الرئيس بارزاني إلى الخطوط الأمامية قائداً عاماً للقوات المسلحة، مشرفاً بنفسه على إدارة المعارك حتى تحقق كسر شوكة التنظيم. وفي عام 2017، قاد مشروعه السياسي الأبرز، بإجراء استفتاء استقلال كوردستان، لتثبيت حق تقرير المصير للشعب الكوردي أمام المجتمع الدولي.
إلى جانب ثقله العسكري والسياسي، يُعرف بارزاني بسعة اطلاعه وإتقانه اللغات الكوردية والعربية والفارسية والإنجليزية، وبتأليفه مجلدات تاريخية توثق مراحل الثورة الكوردية. كما يُعرف برعايته لنهج التعايش القومي والديني، وحرصه على صيانة البيئة الطبيعية في منطقة بارزان، التي باتت نموذجاً للتوازن البيئي.
واليوم، وهو يكمل عامه الثمانين، يواصل الرئيس مسعود بارزاني مسيرته بوصفه المرجعية السياسية والقومية العليا، وحامياً للمكتسبات الدستورية لشعب كوردستان.