«مجلس الاتحاد العراقي» استحقاق دستوري معطل
«مجلس الاتحاد العراقي» استحقاق دستوري معطل
September 25, 2026

بعد مرور عقدين على إقرار الدستور العراقي، لا يزال «مجلس الاتحاد العراقي» حبراً على ورق، رغم النص الدستوري الصريح على تشكيله باعتباره المجلس الأعلى في الهيئة التشريعية ذات المجلسين. ويشدد الرئيس مسعود بارزاني على ضرورة تفعيل مجلس الاتحاد كاستحقاق دستوري لضمان المشاركة الأقوى للمكونات في المؤسسات الاتحادية، فيما يحذر خبراء قانونيون من أن غياب هذا المجلس يمثل «خرقاً دستورياً مزمناً» يصيب جوهر النظام الفيدرالي في العراق.

فيدرالية بجناح واحد

ينص الدستور العراقي لعام 2005 في المادة (48) على أن السلطة التشريعية الاتحادية تتكون من مجلسين: مجلس النواب ومجلس الاتحاد، إلا أن الأخير لم يتم تشكيله أو تفعيله قانونياً حتى الآن، رغم مرور عشرين عاماً على إقرار الدستور.

يقول الدكتور مهند الجنابي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي لمجلة «كوردستان بالعربي»: «من الناحية القانونية الصرفة، لا يستقيم أي نظام فيدرالي في العالم بنظام الغرفة الواحدة. المجلس الاتحادي هو الترجمة المؤسسية لمفهوم الفيدرالية».

ويضيف الجنابي: «النظام الفيدرالي العراقي حالياً (أعرج) من الناحية الدستورية. والعمل ببرلمان من غرفة واحدة هو وضع استثنائي تحول إلى قاعدة. الدستور صمم السلطة التشريعية بجناحين، والتحليق بجناح واحد منذ 2005 يُعد خرقاً دستورياً مزمناً».

التمثيل الديموغرافي مقابل الجغرافي

يوضح الجنابي الفرق الجوهري بين المجلسين قائلاً: «يمثل مجلس النواب الثقل السكاني (ديموغرافياً)، بينما صُمم المجلس الاتحادي ليمثل الثقل الجغرافي والسياسي للمحافظات والأقاليم. وغياب هذا المجلس يعني أن القرارات تُتخذ بمنطق الأغلبية العددية فقط، مما يضرب جوهر الفيدرالية القائمة على التوافق بين المركز والأطراف».

ويشير إلى أن مجلس الاتحاد يفترض أن يعمل كـ«صمام أمان» لتحقيق العدالة من خلال «كسر هيمنة الكتل الكبيرة ومنع ديكتاتورية الأغلبية»، حيث يكون التمثيل متوازناً بعدد متقارب من المقاعد لكل محافظة بغض النظر عن عدد سكانها.

صلاحيات غائبة

تكمن إحدى المشكلات الرئيسية في أن الدستور، وفقاً للمادة (65)، لم يحدد صلاحيات المجلس بدقة، بل أحالها إلى قانون يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهو القانون الذي لم يرَ النور حتى اليوم.

ومع ذلك، يحدد الجنابي، بناءً على الفقه الدستوري وتجارب الدول الفيدرالية، الصلاحيات المفترضة للمجلس والتي تشمل: «حق النقض على القوانين التي تمس صلاحيات الأقاليم والمحافظات، وحماية الدستور وضمان عدم تغول السلطة المركزية على الصلاحيات الحصرية أو المشتركة للأقاليم، ومراجعة القوانين الاستراتيجية مثل النفط والغاز والموازنة الاتحادية لضمان عدالة التوزيع».

مطلب كوردي مستمر

من جانبه، يؤكد علي الفيلي، المحلل السياسي وعضو الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أن «غياب مجلس الاتحاد سبب إشكاليات كبيرة في العلاقة بين بعض المحافظات والحكومة الاتحادية، وخاصة إقليم كوردستان».

ويضيف الفيلي أن «أحد شروط ومطالب الكورد بالنسبة للحكومة المقبلة ومجلس النواب المقبل هو سن قانون المجلس الاتحادي والبدء بتشكيله، لأنه كفيل بحل هذه الإشكاليات في العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية».

ويشرح أن «الحكومة الاتحادية تنفرد بالقرارات أحياناً من دون مراعاة أن العراق فيدرالي. والفيدرالية تختلف عن المركزية، ولهذا المجلس أهمية كبيرة».

التحديات السياسية

يرى الفيلي أن العقبة الرئيسية أمام تشكيل المجلس هي «فقدان الإرادة السياسية ومحاولة الحكومة الاتحادية الانفراد في القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية. هناك جهات فاعلة في العملية السياسية لا تريد لهذا المجلس أن يرى النور».

ويضيف أن في مجلس النواب «هناك أكثرية وأقلية، والتصويت يتم بالأكثرية. الإقليم وبعض المكونات لا يستطيعون تشكيل أكثرية للتصويت على بعض القوانين التي تلامس مصالحهم».

ويؤكد الفيلي أن الخطوات العملية لتفعيل المجلس تتطلب «توفر الإرادة الحقيقية والإيمان بأن العراق لم يعد كالأنظمة السابقة، وإنما هو عراق فيدرالي، وهذه الفيدرالية لها آلياتها ومصادر قراراتها ومؤسساتها، ومن ضمنها المجلس الاتحادي».

ويختم بالقول: «هذا المجلس سيساهم بشكل كبير في حل النزاعات العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، وكذلك مع بعض المحافظات التي لديها مآخذ على الحكومة الاتحادية. التمثيل العادل في هذا المجلس سيساهم في تقليص هذه المشاكل وحلها بشكل أفضل».

ويُنظر إلى تشكيل مجلس الاتحاد على أنه خطوة حاسمة لتحقيق التوازن التشريعي بين الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم وبين الحكومة الاتحادية، وضمان تطبيق النظام الفيدرالي بشكله الدستوري الكامل في العراق.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved