كوردستان لا تنحني للقوة .. الاستقرار يبدأ بالاعتراف
كوردستان لا تنحني للقوة .. الاستقرار يبدأ بالاعتراف
September 28, 2026

منذ تأسيس الدولة العراقية قبل قرن، تعاملت الحكومات المتعاقبة - ملكية وجمهورية - مع الواقع الكوردي كـ«مشكلة إدارية» يجب تطويعها. حاولوا صياغته إقليمياً وسياسياً وفق رؤية «العراق العربي» أو منطق السلطة المركزية المطلقة. لكن التجربة أثبتت أن الشعوب لا تُصاغ بالمراسيم، والذاكرة الجماعية لا تُمحى بقرار حاكم.

القوة وحدها لم تنجح يوماً في كسر إرادة الكورد. السرديات الموروثة، بآلام الإبادات وصمود الجبال، لا تتلاشى بالأوامر. والعدالة المؤجلة لا تموت، بل تتحول إلى دَين ثقيل في ذاكرة الأمة. ما ينطبق على الكورد - ثاني أكبر مكون قومي ولغوي وجغرافي داخل حدود «عراق سايكس – بيكو» بعد سقوط العثمانيين - ينطبق على كل مكونات العراق: اختلاف الأديان واللغات والأعراق، والتعقيدات التاريخية والنفسية والجيوستراتيجية التي لا يمكن تجاهلها.

وبعد كل الحقائق القاسية على الأرض، تبقى خلاصة واحدة لا مفر منها: لا استقرار دائماً من دون نظام حكم فيدرالي متطور، أو أقرب إلى الكونفيدرالية، واقعي وقابل للتطبيق. أي محاولة لفرض وحدة قسرية ستعيد إنتاج الأزمة.

وبعد 2003 وسقوط النظام الشمولي، كان من المفترض أن تتحول الصراعات القومية والطائفية إلى تسوية سياسية. لكن ما جرى كان العكس. الصراع الذي بدأ وطنياً وإقليمياً تصلب وتحول إلى مواجهة «صفرية»؛ من صراع عربي - كوردي تقليدي، إلى توتر شيعي / إيراني - كوردي تصوغه المخاوف المتبادلة، والصدمات التاريخية، والروايات المتضاربة بين أربيل وبغداد. حتى التنافس داخل البنية السياسية الكوردستانية نفسها أصبح جزءاً من المشهد.

ومع كل دورة عنف جديدة، ترسخت بنية الصراع بدل حلها: حصار اقتصادي خانق يطال رواتب الموظفين، هجمات مسلحة، ضربات صاروخية وبالمسيّرات، تطويق عسكري للأراضي الكوردستانية، وإثارة للاضطرابات والتمرد المدفوع في المناطق المتنازع عليها. وكلما ارتفعت وتيرة العنف، ازداد انعدام الثقة عمقاً، وعلت الأصوات المشككة بجدوى العيش المشترك تحت سقف الدستور والشراكة الوطنية.

الكورد تعاملوا مع نظام ما بعد 2003 بمسؤولية تاريخية. رفضوا تحميله مسؤولية جرائم النظام السابق، من حروب صدام العبثية إلى الإبادة الجماعية وعمليات الأنفال الفاشية. لكن حكام بغداد الجدد اختاروا تكرار أخطاء الماضي. بينما كان الكوردي يحلم بدولة عراقية عصرية تقوم على المواطنة والمساواة، سعت أحزاب طائفية إلى بناء «دولة اللادولة» برداء عقد الماضي البعيد وتخلفه.

يُقال إن الفرز العرقي صعب بسبب التداخل الجغرافي. لكن الواقع والتاريخ يفصلان بوضوح بين الأراضي الكوردستانية والعربية في العراق، باستثناءات محدودة في المناطق المتنازع عليها. وهذه الاستثناءات لن تكون عائقاً إذا توفرت لدى حكام بغداد الإرادة السياسية والرؤية الواضحة لبناء دولة شراكة دستورية حقيقية.

الخلاصة:

كوردستان لا تنحني للقوة لأنها دفعت ثمن الانحناء دماً. الاستقرار لا يُفرض بالحصار ولا يُشترى بالصواريخ. يُبنى بالاعتراف المتبادل، بالشراكة، وبالعدالة. وقوة العراق الحقيقية تكمن في تعدده، لا في إلغائه.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved