في شباط 2026، وفي مشهد بدا وكأنه يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وقف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في أربيل، وسلّم نسخة من رسالة عمرها 58 عاماً إلى الزعيم مسعود بارزاني. الرسالة كانت تلك التي وجهها القائد الكوردي التاريخي ملا مصطفى بارزاني إلى الجنرال شارل ديغول عام 1968.
لم يكن التسليم مجرد حدث أرشيفي، بل إعادة توجيه سؤال قديم - جديد للعالم: لماذا لا تزال نداءات الكورد معلقة؟

رسالة إلى ديغول
في الثامن من شباط 1968، كتب ملا مصطفى بارزاني رسالة إلى ديغول. لكنه لم يخاطبه بصفته الرسمية رئيساً لفرنسا، بل اختاره تجسيداً حياً لفكرة «فرنسا: رائدة مبادئ الحريات السياسية وحق الشعوب في تقرير مصيرها».
لم يطلب بارزاني دعماً عسكرياً أو مالياً. طلب شيئاً أثمن: الاتساق. كتب: «لقد كنتم مُصرين على التعبير عن معارضتكم لحرب فيتنام، وأنا على يقين بأن قضية الشعب الكوردي ليست أقل شأناً من قضية الفيتناميين لديكم». بهذه المقارنة، كان يضع المبدأ العالمي للحرية على محك الاختبار: هل هو شامل، أم أنه يصمت عند حدود جبال كوردستان؟
لكن الرسالة كشفت أيضاً عن الفجوة المأساوية بين النداء الأخلاقي والواقع. فبينما يخاطب بارزاني «فرنسا – الفكرة»، يصف بواقعية مرة وضع «فرنسا – الدولة» والعالم بأسره: «نحن في هذه الحرب.. وحيدون تماماً، فالأمم المتحدة قد تجاهلتنا، كما أن عدداً من القوى الكبرى تتسابق في دعم العراق بأحدث الأسلحة المدمرة». تحذيره كان صارخاً: «أي إرسال للسلاح إلى العراق لن يؤدي إلا إلى تدمير بلادنا وقتل نسائنا وأطفالنا جماعياً».
بريطانيا والكورد
قبل الرسالة المذكورة أعلاه بتسع عشرة سنة، كانت وثيقة أخرى ترسم صورة مغايرة تماماً للكورد. هناك، في برودة مذكرة بريطانية داخلية، لم يكن الكورد «نداءً» بل «رقماً»، ولم تكن قضيتهم «حقاً» بل «مشكلة أمنية».
ففي عام 1949، كتب مسؤول بريطاني مذكرة داخلية عن أوضاع الكورد ومطالبهم. لغتها باردة، إدارية: أرقام، وقبائل، ومناطق، واحتمالات تمرد. الكورد هنا ليسوا ذاتاً تطالب بالإنصاف، بل مشكلة يجب احتواؤها لضمان استقرار الدولة العراقية الحديثة.
لكن الواقع الساخن الذي تكشفه الأرقام كان أكثر وحشية من برودة اللغة. القصف الجوي البريطاني على قرى بارزان ومناطق أخرى دمّر ما يقارب 79 قرية، وقتل آلاف المدنيين، وشرد نحو 15 ألف امرأة وطفل وشيخ إلى الجبال. أُبيدت الماشية، وتُهدمت آلاف المنازل.
لم يكن الأمر مجرد تجاهل بارد، بل شراكة عملية بين بريطانيا وحكومة بغداد في قمع أي محاولة كوردية للاعتراف السياسي أو الحكم الذاتي. ومن رفض بارزاني للتفاوض تحت ضغط الأسلحة، إلى مقاومته التي استمرت أشهراً رغم ضعف الموارد، تظهر الوثيقة حجم صمود الكورد، وعمق شعورهم القومي، وقدرتهم على مواجهة قوى دولية وإقليمية تتواطأ لقمع مطالبهم.
الرفض الأول
لكن الجذور تمتد إلى أبعد من ذلك. فقبل أن تكون هناك دولة عراقية حديثة، وقبل أن تكون هناك وثائق بريطانية، كان هناك شيخ في بارزان رفع راية مختلفة. لم يقل: «اعترفوا بي»، بل قال: «لن أتنازل».
في زمن رسمت فيه الحدود بقلم المستعمر على خرائط لم يرَها الكورد، برز الشيخ محمد بارزاني ليس كزعيم تقليدي، بل كحارس للكرامة. ولم يكن مشروعه خطة سياسية محكمة، بل ردة فعل وجودية على صدمة الخرائط الجديدة التي حاولت تصغير شعبه إلى «عامل أمني».
في عالم بدأ يتحدث بلغة الإدارة والاستقرار، اختار الشيخ محمد لغة أبسط وأكثر جذرية: «لغة الرفض». رفض أن يتحول شعبه إلى مجرد رعايا ضمن دولة لم تُستشر، ورفض أن تتحول أرضه إلى «منطقة مضطربة» في تقارير أجنبية. تكية بارزان، تحت قيادته، لم تكن مجرد مركز ديني، بل تحولت إلى ملجأ للمظلومين وقلعة دفاع عن الكرامة المحلية، في مواجهة الإقطاعيين والسلطات المركزية على السواء. كان يدرك أن القبول بالخضوع الإداري، كما تصفه الوثائق البريطانية لاحقاً، يعني بداية محو الهوية.
هذا التناقض، بين من ينظر إلى الأرض والدم كمتغيرات سياسية، ومن ينظر إليهما كقيم مطلقة، شكل قلب الصراع الكوردي الحديث. النضال الذي بدأه الشيخ محمد لم يكن من أجل سلطة، بل من أجل سيادة الكرامة والحق في الوجود. وهو الإرث نفسه الذي ورثه الأبناء، فارتقى مع ملا مصطفى بارزاني ليصبح نضالاً يبحث عن الاعتراف على مستوى العالم.

من التهميش إلى المقاومة
المشترك بين هذه الوثائق الثلاث أنها ترسم دائرة متكررة من الصراع: تهميش يولد مقاومة، والمقاومة تتحول إلى مطالب، والمطالب تُقابل بالإهمال أو ازدواجية المعايير. من برودة المذكرة البريطانية، إلى رفض الشيخ محمد للطمس، وصولاً إلى خطاب القائد مصطفى بارزاني الأخلاقي، تتجلى حقيقة أن الكورد لم يكونوا في يوم من الأيام تفصيلاً عابراً، بل قوة واقعة، وصوتاً لا يسكت، وإرثاً أخلاقياً يمتد عبر الأجيال.
اليوم، وبعد أكثر من قرن على ذلك الرفض الأول في بارزان، تبدو الجغرافيا أقوى من الحلم وأقدر على محاصرته. في العراق، حكم فيدرالي مثقل بالأزمات المفتعلة. في سوريا، إرادة بلا اعتراف، بل وشعب تحت التهديد. في تركيا، هوية تتفاوض مع المركز. في إيران، مطالب بلا أفق. الدولة لم تتحقق، والاعتراف لم يُحسم، والرسائل لا تزال معلقة.
بعد أكثر من قرن على رفض الشيخ محمد، وبعد رسالة بارزاني إلى ديغول، وبعد سبعة عقود من الوثيقة البريطانية، ما زال السؤال معلقاً: هل سيظل الكورد يرسلون نداءاتهم إلى آذان بعيدة، أم أن العالم سيكتشف أخيراً أن هذه النداءات لم تكن يوماً مجرد «صرخات» عابرة، بل كانت، ولا تزال، صوت شعب يطلب فقط ما هو أبسط حقوقه: «أن يُسمع، ثم أن يُعترف به وبحقوقه».