«مدنٌ للرجال» فوضى العمران واغتيال الصحة النفسية للنساء
«مدنٌ للرجال» فوضى العمران واغتيال الصحة النفسية للنساء
October 21, 2026

تُعتبر قضية «العدالة المكانية» في العراق تحدّياً أمام الحقوق الإنسانية وتنمية المدينة والرفاه النفسي، إذ تتقاطع عوامل التخطيط الحضري المتدهور مع القيود الاجتماعية، لتجعل المساحات العامة «ذكورية» بامتياز، مما يُقصي المرأة تدريجياً من الفضاء العام.

هذا المصطلح الذي صاغه الجغرافي الجنوب أفريقي غوردون بيرِي في ثمانينات القرن العشرين ليشمل التوزيع العادل للموارد، وكذلك تقييم مستوى المعيشة التي تنتجها عملية التحضر، والمساحات التي نعيش فيها اجتماعياً.

إن العدالة المكانية هي التطبيق الجغرافي المباشر للعدالة الاجتماعية التي تفرض المساواة بين الجنسين بجميع أشكالها. فالمكان ليس مجرد «أرض»، بل هو «وعاء» تتشكّل فيه الفرص أو تُسلَب، وإذا اختلّ ميزان المساواة اجتماعياً سنلمس اختلاله واقعياً ومكانياً.

الفوضى العمرانية وضياع المتنفس 

تشهد مدن مثل بغداد ومناطق أخرى تسارعاً مخيفاً في عمليات البناء وتمدد الكتل الخرسانية على حساب البساتين والحدائق العامة. هذا الانحسار الممنهج للمساحات الخضراء يسلب النساء المتنفس الوحيد المتاح اجتماعياً لهن ولعائلاتهن. ويعيق الحياة والخدمات العامة.

لم تكن مدينة بغداد مجرد كتلة عشوائية، فقد تم تصميمها منذ عهد المنصور وصولاً إلى منتصف القرن العشرين وتحديداً عام 1956 لتراعي التوسع السكاني والمساحات الخضراء والظروف المناخية بمنازل «الشناشيل» على سبيل المثال.

أما اليوم فالمشهد انقلب تماماً إذ تعاني العاصمة من فوضى عمرانية ناتجة عن غياب التحديث لتلك المخططات منذ سنوات طويلة، والسبب الرئيس هو تحويل المناطق السكنية إلى تجارية بشكل غير مدروس، بالإضافة إلى زحف العشوائيات الناتج عن الهجرة غير المنظمة، مما خلق بيئة تفتقر لأدنى معايير الانسيابية والجمالية.

وما بعد عام 2003، شهدت بغداد ظاهرة خطيرة وهي تفتيت الوحدات السكنية. فعلى سبيل المثال، تحول البيت الذي كانت مساحته 500 متر إلى 10 وحدات سكنية اليوم، بمساحة 50 متراً لكل منها. ولا يؤثر ذلك على شبكات المجاري والكهرباء فقط، بل يمتد تأثيره إلى تقييد حركة النساء داخل الأحياء التي يعشن فيها.

في ظل كل هذه الفوضى العمرانية التي تشهدها العاصمة، فإن ضياع المتنفس واقع ملموس تعيشه المرأة العراقية بشكل يومي. فشوارع المدينة المختنقة تفتقر إلى مسارات المشي أو الدراجات الهوائية، مع الاعتماد الكلي على السيارات في شوارع صُمّمت لعدد أقل من السكّان، حيث تدفع النساء ضريبة الوقت والجهد في التنقل، بغياب شبكة نقل حضرية متطورة تربط السكن بالخدمات العامة. فوجود زوايا مظلمة تفتقر فيها النساء للأمان، وأرصفة محطمة يسيطر عليها أصحاب المحال التجارية أو أصحاب المولدات، وساحات متروكة تخلق بيئة خصبة للتحرش والاغتصاب، وبعد تجريف البساتين في أطراف بغداد وتحويلها إلى مجمعات سكنية ومخازن تجارية، لم يبقَ أمام النساء سوى «المولات» كملاذ للترفيه مما يكبدهن أعباء مالية إضافية، خصوصاً أن الأماكن الشعبية ذات الأسعار المناسبة تتمتع بذكورية ساحقة!

كان من الممكن أن يتم استثمار الوقت والجهد بتطوير مهاراتهن وخبرتهن، بدلاً من حصر خياراتهن في نطاق ضيق يفاقم تهميشهن المادي والاجتماعي، لو كان هنالك تصميم حضري يفرض الرقابة على الشارع. 

غياب التصميم الحضري الحسّاس للنوع الاجتماعي

عندما نتأمل في مشاريع الإعمار وتأهيل الشوارع التي تشهدها العاصمة والمدن الأخرى، نلحظ بوضوح غياباً تاماً لمعايير التصميم الحضري الحسّاس للنوع الاجتماعي، فما زال القائمون على هذه المشاريع يعانون من «عماء جندريّ» بالغ الأثر، وخبرة لا تتجاوز التصاميم الرديئة المُقلّدة والمُستنسَخة. ونحن إذ ننظر للمدينة لا نرى سوى ممرات صمّاء للسيارات، ومساحات استثمارية خالية من أي مساحات حيويّة تجعل من الفضاء العام صديقاً للمرأة، بدلاً من كونه مؤذياً وخانقاً لها؛ فهي تعيش في مدينة معتمة تفتقر شوارعها الفرعية وساحاتها العامة للإنارة الكافية، مما يحوّل هذه العتمة إلى أداة إقصاء تفرض عليها «حظراً طوعياً» للتجوال، بمجرد أن تغيب الشمس وهو ما يغتال حقها في استغلال فضاء مدينتها بكامل حريتها وأمانها.

كما تفتقر أغلب الأماكن العامة، كمراكز المدن والأسواق العامة، إلى دورات مياه نظيفة مخصصة للنساء؛ فالقائمون على التصاميم الحالية لم يخطر ببالهم وضع المرأة واحتياجاته في مقدمة مشاريعهم العمرانية والتخطيطية.

هنا يحق لنا أن نتساءل عن دور السلطات في تكريس شكل المدينة «الذكوري» الحالي، وكيف يُمرر هذا التواطؤ المؤسساتي الذي يعزز التمييز بين الجنسين، حين تُتخذ القرارات وتُمنح الموافقات في غرف تخلو من التمثيل النسائي الواعي والحقيقي. إن تحقيق «العدالة المكانية» يتطلب فرض شروط صارمة على المستثمرين تتعلق بمسارات المشاة الآمنة، وتوفير الحضانات القريبة، والمرافق العامة، كما لا يمكن التنصّل من مسؤولية فرض سلطة القانون على مستغلّي الأرصفة، إذ إن وجود هذا الفراغ الرقابي يخلق بؤراً للتحرش والتهديد بعيداً عن الرقابة.

إن ما يعززه التصميم الحالي هو تجاهل تام للأمان النفسي والجسدي للمرأة، باعتبارها عنصراً ثانوياً عبر «الإعمار الاستعراضي» ذي الميزانيات الضخمة التي تُصرف على الجسور والأنفاق، من دون تخصيص أي جزء منها لإنارة الأزقة أو تأهيل الحدائق داخل الأحياء السكنية.

في مهب القلق والتوتر

يؤثر التصميم الحضري تأثيراً عميقاً على جودة حياة الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص في المدن، ولا سيما على صحتها النفسية. فهو يشكّل المساحة التي تعيش فيها وتتفاعل مع الآخرين عبرها. وبينما تعزز البيئات الحضرية المتطورة الشعور بالانتماء والرغبة في التواصل واسترخاء الجسد والمزاج، تعاني المرأة اليوم في العراق من اغتراب حضري عميق الأثر يُولّد بداخلها قلقاً وتوتراً يدفعها نحو العزلة، مما ينمي بداخلها العديد من المخاوف الأمنية والاجتماعية.

تشير الأبحاث إلى أن العوامل البيئية المحيطة بنا تُفاقم الأمراض الكامنة في تركيبتنا الجينية، حيث تعوّد الانسان منذ تطوره العيش في أحضان الطبيعة والمساحات المفتوحة، ولا يعد تطوير تصميم البيئة الحضرية مجرد ترف معماري، بل يعد تدخلاً علاجياً استباقياً يحمينا ويحمي جيناتنا من التداعي. يجب أن تتجاوز غايتنا حدود حمايتنا وحماية جيناتنا لتصل إلى الاهتمام بصحتنا النفسية، واسترداد حق المرأة في مدينة تحتضنها روحياً وجسدياً ونفسياً.

دعت إلى هذا التكامل سارة رودجرز بأن يخصص الدعم الكامل للمخططين والخبراء وغيرهم لفهم الآثار الصحية لعملهم. ومن خلال الجمع بين هؤلاء الخبراء والجهات العامة، يمكننا إيجاد أنجع السبل لتعزيز رفاهية السكان. إن جمع الأدلة حول كيفية تأثير العوامل الاجتماعية والبيئية على استخدام الرعاية الصحية، سيساعد في بناء مساحات حضرية أكثر عدلاً وصحة، تعود بالنفع على الأجيال القادمة. وأثبتت دراسة من جامعة أمستردام إن وجود مساحات خضراء وتصميم شوارع مناسبة للمشاة، يقلل من معدلات التوتر والاكتئاب بنسبة 20 %. وهذه النسبة تمثل للمرأة العراقية الفارق بين العزلة المكانية والمشاركة الاجتماعية. وهنا تبرز الفجوة المؤلمة في الواقع المحلي، فيما تتسابق مدن مثل استوكهولم وأمستردام في تطوير مشاريع تجعل من جمال الشارع حقاً صحياً، وتتألق تجارب عربية كمشروع «واجهة الرياض»، حيث عملت المملكة العربية السعودية على أنسنة المساحات عبر مزج الإضاءة والألوان لامتصاص الضغوط النفسية، وهذا يصطدم بلغة الأرقام القاسية التي تحطم طموح المرأة في العراق.

ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة، فقد باتت مساحات الغابات في العراق لا تشكّل سوى 8250 كيلومتراً مربعاً، أي ما نسبته 2 % من إجمالي مساحة البلاد، وهذا الانحسار الأخضر يجرّد المرأة من ملاذاتها النفسية، ويحوّل المدن لغابات اسمنتية تفتقر للأنسنة.

للناس احتياجاتهم وأنماط حياتهم المتباينة، لكن واقعنا يشير إلى أن المدينة تُبنى من منظور أحادي تمييزي، من أجل الذَكَر، ومن قبل ذكور يحتكرون مراكز صنع القرار، مع فصام تام بين جسد المدينة واحتياجات النساء، ومصالحهن، وأجسادهن، وأنماط حياتهن في مدينتهن، حيث يجب إعادة صياغة المدينة لتكون فضاءً عادلاً بين جميع أفراد المجتمع من دون إقصاء فئة منه؛ فأنسنة المدن هي المدخل الوحيد لبداية التفكير بوضع مخططات حضرية متطورة للمدينة.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved