في مدينة حديثة بمحافظة الأنبار، حيث يجري نهر الفرات حاملاً معه قصص الأجداد وحرف اليد الماهرة، تقف ورشة عائلة الكوردي شاهدة على إرث حرفي امتد لأكثر من ثلاثة عقود. هنا، حيث رائحة الخشب الفنلندي والروسي تملأ المكان، يواصل ثائر عبد الله الكوردي وشقيقه ياسر رحلة بدأها والدهما في مطلع التسعينات، محولَين قطع الخشب إلى زوارق تمخر عباب الأنهار والبحيرات.
بداية غير متوقعة
يستعيد ياسر عبد الله ذكريات البدايات قائلاً: «والدي كان معلماً متقاعداً، وأخي ثائر الكبير كان يعمل نجاراً متخصصاً في صناعة أثاث غرف النوم خلال الثمانينات». لكن التسعينات حملت معها تحديات جديدة، فالحصار الاقتصادي الذي فُرض على البلاد أدى إلى شحة الخشب في الأسواق، ما دفع العائلة للبحث عن مسار مختلف. يروي ياسر لمجلة «كوردستان بالعربي» أن البداية كانت مع الصيد، حيث اشترت العائلة زورقاً من الرمادي للعمل في صيد الأسماك. لكن العين الفنية لنجار ماهر لم تكن لتمر على هذا الزورق من دون أن تلتقط تفاصيله. «أحضرناه إلى الورشة وأخذنا قياساته كاملة، وقررنا أن نصنع مثله، بل وأفضل منه».
وهكذا كان. فبفضل خبرتهم في صناعة الأثاث ودقة عملهم التي اشتهروا بها في حديثة والأنبار، صنع ثائر الأخ الأكبر أول زورق خشبي للعائلة عام 1992. «جربناه في الماء، فكان ناجحاً من كل النواحي: لا يتمايل بسهولة، لا ينقلب، سريع، وخفيف الوزن»، يتذكر ياسر بفخر واضح.
الصور: تحسين لؤي الجنابي
سر الصنعة
يكشف ثائر عبد الله الأخ الأكبر عن سر نجاح زوارقهم: «أفضل أنواع الخشب هي الفنلندية والروسية، فهي تتحمل الماء وتقاوم الأمواج والظروف المناخية القاسية». لكن الخشب الجيد وحده لم يكن كافياً، فالعائلة طورت أسلوباً خاصاً في التصنيع يعتمد على استخدام البراغي بدلاً من المسامير في تثبيت أجزاء الزورق، ما منحه متانة استثنائية. هذا الالتزام بالجودة والدقة في العمل جعل زبائن العائلة يتوافدون من مختلف المناطق: من الثرثار وعانة وراوة وحصيبة وبيجي وصلاح الدين والرمادي. «زوارقنا خفيفة على الماء، لا تنقلب بسهولة، وخفيفة على المحرك أيضاً، مع أنها رزينة وقوية»، يشرح ثائر بفخر حرفي واضح. توارث المهنة ياسر الكوردي، الأخ الأصغر، لم يتعلم المهنة في معهد أو مدرسة، بل في الورشة ذاتها، مراقباً أخاه الأكبر وهو يحول الخشب إلى زوارق. «كنت دائماً موجوداً في الورشة، أشاهده كيف يعمل، كيف يأخذ القياسات، كيف يركب القطع»، يروي ياسر. ثم جاءت اللحظة الفارقة: «أتذكر أنني كنت في الصف الثاني المتوسط، وسافر أخي ثائر إلى بغداد لعمل ما. طلب مني ألا أعمل وأن أبقى في الورشة فقط لفتحها. لكنني قررت أن أصنع زورقاً كاملاً من دون علمه». عندما عاد ثائر في اليوم التالي، وجد أخاه الصغير قد أتم صناعة الزورق. «تعجب كثيراً، فقد كنت صغيراً في السن. منذ ذلك اليوم، واصلت العمل في صناعة الزوارق». اليوم، وبفضل سنوات الخبرة والممارسة، يستطيع الأخوان إنهاء زورق كامل في يوم واحد، بعد أن كانت العملية تستغرق ثلاثة أيام في البداية. دقة في القياس وعناية في التفصيل يبلغ طول الزورق المعتاد 4.45 متر، بينما يتراوح عرضه من 1.2 متر في الأسفل إلى 1.35 متر في الأعلى، أما ارتفاعه فستون سنتيمتراً. لكن المواصفات تتغير حسب الاستخدام، كما يوضح ياسر: «هناك زوارق للنهر، وأخرى للبحر. زوارق البحر تحتاج إلى تقوية إضافية، فنضيف لها أضلاعاً جانبية وفي القاع، ما يزيد من سعرها قليلاً». وتتراوح أسعار الزوارق بين مليون ومليون ومئتي ألف دينار، وهي أسعار تعادل نصف سعر الزوارق المصنوعة من الألياف الزجاجية، ما يجعلها الخيار المفضل للصيادين وأصحاب الدخل المحدود. أما فيما يتعلق بالصيانة فيقول ثائر، مؤكداً على أهميتها: «الزوارق الخشبية تحتاج إلى تنظيف دوري، مرة في الأسبوع من الحشائش والأتربة. إذا حافظ صاحبها عليها ونظفها باستمرار، وتجنب اصطدامها بالصخور أو الأرصفة الخرسانية، فإنها تصمد لسبع أو ثماني سنوات من دون مشكلات». التحديات رغم نجاح المشروع واستمراريته، تواجه صناعة الزوارق في حديثة تحديات حقيقية. يقول ياسر: «التحدي الأكبر ليس الزوارق المصنوعة من الألياف الزجاجية رغم وجودها، فهي أغلى ثمناً بكثير. المشكلة الحقيقية هي شحة المياه في الأنهار والبحيرات، وقلة الأسماك، إضافة إلى انتشار الأسماك المستوردة في الأسواق». هذه العوامل أثرت بشكل كبير على حجم العمل. «في التسعينات وحتى 2014، كنا نعمل يومياً من الصباح حتى المغرب من دون توقف. كنا ننتج نحو ثلاثين زورقاً شهرياً. أما الآن، فالعمل أصبح ضعيفاً، ننتج ثلاثة أو أربعة زوارق فقط في الشهر»، يوضح ياسر بنبرة تحمل الأسى والأسف. جذور كوردية في أرض الأنبار قصة عائلة الكوردي في حديثة لا تقتصر على الحرفة، بل هي أيضاً قصة اندماج وانتماء. يروي ثائر: «جدنا علي الكوردي قدم إلى حديثة عام 1920، وعمل في شركة النفط مع الهنود الذين كانوا موجودين هنا آنذاك. تزوج من امرأة حديثية، وأنجب أعمامي وعماتي، وتكاثرنا هنا». ويضيف بفخر: «نحن من أصول كوردية، من السليمانية، من منطقة «عربت» و«خاكه خول»، من عشيرة الجاف الميكائيلي. لكننا أصبحنا جزءاً من نسيج حديثة الاجتماعي. أخوالنا من أهل المدينة، ونحن عائلة معروفة. إذا سألت عن بيت علي الكوردي، سيدلك الجميع على مكاننا». هذا الاحترام المتبادل والثقة التي بنتها العائلة على مدى أجيال لم يأتِ من فراغ، بل من الالتزام بالمواعيد والصدق في التعامل، كما يؤكد ياسر: «لم نخلف موعداً قط. إذا وعدنا زبوناً بأن يستلم زورقه غداً أو بعد غد، فإنه يستلمه في الموعد المحدد. هذه الثقة هي التي جعلت عملنا ناجحاً». إرث يتحدى الزمن في زمن تسيطر فيه المواد الحديثة والصناعات السريعة، تبقى ورشة عائلة الكوردي في حديثة واحة للحرفة التقليدية والعمل اليدوي الأصيل. كل زورق يخرج من هذه الورشة يحمل بصمة يد حرفي ماهر، وروح عائلة حافظت على إرثها رغم كل التحديات. وبينما تتراجع مياه الأنهار وتقل الأسماك، يواصل ثائر وياسر عملهما، حاملين أملاً بأن تعود المياه إلى سابق عهدها، وأن تستمر زوارقهم الخشبية في مخر أمواج الفرات، كما فعلت على مدى ثلاثة عقود مضت.
