هَـورامـان .. وسُّر العمر المديد
رشيد صوفي - February 26, 2026

في قلب جبال هورامان، شرق السليمانية، يعيش رجال ونساء تجاوزوا التسعين والمئة عاماً، وهم يتمتعون بصحة وحيوية لافتة. هذه المنطقة الجبلية ليست مجرد مكان طبيعي خلاب، بل بيئة صحية فريدة جعلت من سكانها نموذجاً عالمياً في اللياقة البدنية والحياة السعيدة.  

سر اللياقة.. جغرافيا لا تتيح لك الجلوس

يقول سنور حامد مسؤول في دائرة صحة منطقة هورامان وحلبجة: «نظراً للموقع الجغرافي لمنطقة هورامان الجبلية وتمتعها بهواء نقي ومساحات خضراء شاسعة، يتمتع العديد من سكانها المعمرين بصحة، ويواصلون العمل والحركة حتى يصلوا إلى عمر مائة عام.

ويُرجع حامد ذلك إلى طبيعة المنطقة، مضيفاً في لقاء مع «کوردستان بالعربي» أن معظم المنازل تقع في المناطق المرتفعة على الجبال. ونظراً لوعورة الطرق واستحالة وصول السيارات إلى كثير منها، يعتمد أغلب السكان في تنقلاتهم على المشي. لذا، فإن هذه الطبيعة الوعرة تدفعهم للتحرك سيراً على الأقدام يومياً».

ويمضي حامد بالقول إن هناك من السكان من تتراوح أعمارهم بين 75 و 80 عاماً، ويسكنون بيوتاً لا يمكن الوصول إليها إلا عبر السلالم، فيصعدون نحو 100 درجة عدة مرات يومياً، وهو ما يُعتبر رياضة بحد ذاتها».

الصور: ناصح علي خياط

لا تقاعد ما دامت الأرض تحتاج

يؤكد المسؤول في دائرة صحة منطقة هورامان وحلبجة أن معظم المسنين في المنطقة يتمتعون بصحة جيدة، إذ لا يزالون يمارسون العمل يومياً في الحقول والمزارع وغيرها وأعيش حياة سعيدة مع زوجتي لدي ستة أولاد وخمس بنات، ولي 107 من الأحفاد. ويضيف لمجلة «كوردستان بالعربي» أنه لم يسبق لي أن ذهبت إلى المشفى في حياتي ولا أعرف حتى فصيلة دمي. ما شربت المشروبات الغازية في حياتي مطلقاً». أما فيما يتعلق بنظامه الغذائي، فإن حمه أمين يتناول الألبان بكثرة، ويعتمد على الأكلات الطبيعية المحلية ولا يتناول الطعام في المطاعم أبداً»، ويضيف قائلاً: «أنام التاسعة مساءً، وأستيقظ عند أذان الفجر. وأحذر أحفادي دائماً من الانشغال بالهاتف المحمول والسهر».

يُذكر أن العم محمد لا يزال يعمل في بستانه، ويقطع من الأعمال، مما يعني أنهم في حركة مستمرة تنعكس إيجاباً على صحتهم».

وأضاف أن أسلوب الحياة في هذه المنطقة ساهم في الحفاظ على صحة المسنين، حيث يواظبون على الحركة ويعتمدون على الأكل الصحي الطبيعي، ويبتعدون عن المأكولات السريعة والمصنعة لذلك فإن نسبة الإصابة بأمراض الضغط والسكري بين سكان هورامان أقل بنسبة 50 إلى 60% مقارنة بسكان المناطق الأخرى.


محمد حمه أمين (97 عاماً) رجل من أهالي منطقة بيارة في هورامان بمحافظة حلبجة، لم يرتد مشفى طوال عمره. يروي تفاصيل حياته قائلاً: «تزوجت في سن الثالثة والعشرين، وأعيش حياة سعيدة مع زوجتي لدي ستة أولاد وخمس بنات، ولي 107 من الأحفاد. ويضيف لمجلة «كوردستان بالعربي» أنه لم يسبق لي أن ذهبت إلى المشفى في حياتي ولا أعرف حتى فصيلة دمي. ما شربت المشروبات الغازية في حياتي مطلقاً». أما فيما يتعلق بنظامه الغذائي، فإن حمه أمين يتناول الألبان بكثرة، ويعتمد على الأكلات الطبيعية المحلية ولا يتناول الطعام في المطاعم أبداً»، ويضيف قائلاً: «أنام التاسعة مساءً، وأستيقظ عند أذان الفجر. وأحذر أحفادي دائماً من الانشغال بالهاتف المحمول والسهر».

يُذكر أن العم محمد لا يزال يعمل في بستانه، ويقطع مسافة خمسة كيلومترات يومياً بين منزله وبستانه سيراً على الأقدام، وإذا لم يذهب إلى العمل يتجول في السوق.


أما توفيق عبد الله محمد شريف (95 عاماً)، وهو من أهالي هورامان، فهو الآخر لا يزال يتمتع بصحة جيدة وحيوية ملحوظة. فيقول عن برنامجه اليومي: «أنام قبل العاشرة ليلاً، وأستيقظ قبل صلاة الفجر، لأبدأ يومي بالعمل في المزرعة وتربية المواشي وحتى غروب الشمس». 

وعن نظامه الغذائي، يضيف شريف متحدثا لـ «كوردستان بالعربي»، أنه يعتمد في طعامه على ما هو طبيعي، ويفضل الأطباق الشعبية التي تعد من محاصيل أنتجها بنفسه، ويتناول الجوز والمكسرات يومياً، ويلجأ إلى الأعشاب الطبيعية عند الحاجة للتخلص من بعض الأوجاع والمشاكل. 

وعن حياته الأسرية، يقول شريف: «زوجتي كل شيء لي، نحن متفاهمان في أمور حياتنا. وفي عموم منطقة هورامان هناك احترام للمرأة، ونعتبر دورها أساسياً في استقرار الحياة الزوجية والاجتماعية».. وهو على المستوى الشخصي يرى أن سر حيويته وسعادته يكمن في ثلاثة: البيئة النظيفة، أسلوب الحياة اليومية وزوجة محبة. ورغم هذه الصورة المشرقة يوضح سنور حامد أن جيل الشباب يعاني من تراجع في النشاط الحركي مقارنة بالمسنين، إذ يتبع كثير منهم حياة نمطية خالية من الحركة تشبه حياة المدن، ولا يلتزمون بأنظمة صحية، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في صحة بعضهم. 


البعد الثقافي والاجتماعي

لا يقتصر دور معمري هورامان على الصحة الجسدية فحسب، بل يمتد ليشمل الحفاظ على الثقافة والتراث الاجتماعي. يقول حامد إن للمسنين دوراً كبيراً في الحفاظ على الثقافة والتراث الاجتماعي والحياتي. فهم يقيمون سنوياً مهرجانات واحتفالات تسهم في تنشيط الحركة الثقافية والاجتماعية، والإسهام في الحفاظ على البيئة». 

ويضيف المسؤول في دائرة صحة المنطقة أن الحياة الأسرية مستقرة في هذه المنطقة، ونادراً ما تجد شخصاً متزوجاً بامرأتين، كما أن حالات العنف الأسري قليلة جداً ونادرة التسجيل. وهذا الاستقرار الأسري والاجتماعي ينعكس مباشرة على الصحة النفسية والجسدية، ويمنح كبار السن بيئة داعمة تعزز من حيويتهم. 


نبذة تعريفية

منطقة هورامان في إقليم كوردستان تتبع إدارياً، محافظة حلبجة، وتبعد حوالي 100 كيلومتر جنوب شرقي مدينة السليمانية.

وتتميز هذه المنطقة الجبلية الوعرة بطبيعتها الخلابة ومنحدراتها الحادة، التي شكلت نمط عمارة فريداً، حيث تُبنى البيوت بشكل متدرج على السفوح، ويكون سقف المنزل السفلي بمثابة فناء للمنزل العلوي. وتضم المنطقة عدداً من النواحي والبلدات المهمة مثل ناحية بيارة، وبلدة تويلة وناحية خورمال. وتعد هورامان موطناً للشعب الكوردي يتحدث أهله باللهجة الهورامية الخاصة، ويحافظ على تراث ثقافي غني يتجلى في الموسيقى والملابس التقليدية وأسلوب الحياة المتناغم مع الطبيعة. وقد أدرجت منظمة اليونيسكو المشهد الثقافي في هورامان على قائمة التراث العالمي في عام 2021، تقديراً لهذه القيمة الفريدة. •


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved