بين ساحات الحروب ووعورة الدروب .. أمريكي يوثق حياة الكورد
هيمن بابان رحيم - February 27, 2026

بذكائه وبراعته الاستثنائية في التقاط أروع الصور في أرجاء المعمورة، تحوّل إد كاشي إلى مصوّر ذائع الصيت، خاض خلال مسيرته الممتدة لنحو نصف قرن العديد من المغامرات الصحفية، معاصراً الكثير من النزاعات والحروب، من بينها حروب العراق.

ليس إد كاشي الوحيد الذي وثّق مآسي الكورد، لكنه يُعد من أبرز من فعل ذلك. فعلى مدى العقود الثلاثة والنصف الماضية، لم تقتصر عدسة كاميرته وبصماته الفوتوغرافية على توثيق وتجسيد آلام الكورد ومعاناتهم منذ إدارتهم الذاتية لإقليم كوردستان عام 1991 وحتى اليوم، بل تجاوزت ذلك لتتسلل إلى قاعات النقاش التي تخوضها السياسة.

ويُعد المصوّر المحترف إد كاشي، صاحب المسيرة الصعبة والمليئة بالمتاعب والمغامرات، شاهداً حياً على طعنات الأنظمة الاستبدادية التي نالت من ظهر الشعب الكوردي.

ورغم ذلك، لا يزال يصوّر الكورد اليوم بصورة مغايرة، ليُظهر للعالم تراثهم الغني وثقافتهم والتطور المتسارع في منطقة جعلتها الحروب أرضاً لا يُرجى منها الكثير.


البداية مع كوردية من تركيا

وتبدأ قصة تصوير الكورد على يد المصوّر الصحفي ومخرج الأفلام الأمريكي الشهير إد كاشي بطريقة لافتة، حيث التقت الكورد وأمريكا وتركيا وبريطانيا وإيرلندا في نقطة انطلاق واحدة. فقد بدأت الرحلة بحديث كوردية من تركيا عن أبناء قومها، ليجد كاشي آذاناً صاغية، إذ كانت تلك المرة الأولى التي يسمع فيها شيئاً مختلفاً عن الكورد، بوصفهم أكبر مجموعة عرقية بلا دولة في العالم، وما يحمله وضعهم الجيوسياسي من تعقيدات؛ الأمر الذي شجّعه على الغوص في عمق قضيتهم.

وبعد بحث مكثف، وافقت مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» على تخويله السفر إلى ثمانية بلدان ولمدة 26 أسبوعاً، لتشكّل تلك الرحلة بداية القصة. ويقول في  حوار مع مجلة «كوردستان بالعربي»: «في عام 1990، عندما كنت منشغلاً بأول عمل وثائقي لي في أحد المقاهي القديمة بمدينة ديري شمال إيرلندا، تعرّفت على مايا بالج أوغلو، وهي كوردية من تركيا وزوجة صديقي ستيورات بريسلي. كانت تحدثني عن الكورد، وأرشدتني إلى الطريق لمعرفة تاريخهم وقضيتهم».

وتابع كاشي: «كانت قصة الكورد مجهولة إلى حد كبير بالنسبة للأمريكيين، ناهيك عن معظم العالم خارج الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا الغربية».


مسيرة حافلة بالإنجازات

وُلد إد كاشي في مدينة نيويورك الأمريكية عام 1957، وهو خريج كلية «صموئيل إيرفينغنيوهاوس» للاتصالات في جامعة «سيراكيوز»، وهي جامعة بحثية خاصة مرموقة في نيويورك. تنوّعت أعماله بين الصحافة المصوّرة المطبوعة وإخراج الأفلام، ولا سيما الوثائقية، وتميّزت بالدقة والعمق، مع تركيزه على القضايا التي لم يسلّط الإعلام الضوء عليها بشكل كافٍ، مكرّساً جهوده لتوثيق القضايا الاجتماعية والسياسية.

وعمل كاشي مع عدد من المؤسسات العالمية المرموقة، منها: «نيويورك تايمز»، «تايم»، «نيويوركر»، «ميدياستورم»، مؤسسة «فورد»، مؤسسة «روبرت وود جونسون»، «جيو»، «نيوزويك»، وموقع msnbc.com. كما حصد العديد من الجوائز، أبرزها Pictures of the Year International (POYi)، وجوائز «وورلد پريس فوتو»، وجائزة «أفضل مصوّر في العام»، وجائزة «كوم آرتس»، وجائزة «التصوير الفوتوغرافي الأمريكي».


«الكورد من أكثر الشعوب تسامحاً في المنطقة»

ألّف كاشي، الذي عمل في أكثر من 100 دولة وغطّى عدداّ من الصراعات حول العالم، عدة كتب، أبرزها كتاب «عندما تنزف الحدود: نضال الكورد»، الصادر عام 1994، وهو كتاب مصوّر يوثّق معاناة الشعب الكوردي العالق في خضم الحروب والصراعات في الشرق الأوسط، بعد تقسيم بلاده بين أربع دول: إيران، العراق، سوريا، وتركيا. ويقول: «يبدو أن كتابي (عندما تنزف الحدود)، الذي نُشر عام 1994، كان مهماً لبعض الكورد للتعرّف على تاريخهم. ومن الصعب دائماً معرفة مدى تأثير عملي، لكنني أتشرف بمساهمتي في سرد قصة الكورد، وآمل أن يصمد هذا الكتاب أمام اختبار الزمن ويبقى مصدراً للمعلومات للناس في جميع أنحاء العالم».

وخلال أكثر من ثلاثين عاماً من تصويره للكورد ومعاناتهم وتطلعاتهم نحو حياة أفضل، أدرك كاشي أهمية وجودهم في الشرق الأوسط وأدوارهم التاريخية، مؤكداً أنه رأى «كيف تعرّضوا للمعاناة والتمييز، وكيف استغلتهم القوى الأجنبية ثم تخلّت عنهم. لكنهم في النهاية يتمتعون بصمود وشعور عميق بالثقافة والتاريخ يمنعهم من الهزيمة». وتابع كاشي أن «الكورد من أكثر الشعوب ترحيباً وتسامحاً في المنطقة. تاريخهم العريق وثقافتهم الراسخة يجعلانهم جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الشرق الأوسط، ومع ذلك فهم ضحايا تاريخهم وتداعيات الجغرافيا السياسية الحديثة».


كوردستان اليوم… نمو وأمل

في عام 2002، أسس كاشي مع زوجته الكاتبة والمخرجة جولي وينوكور شركة (Talking Eyes Media) لإنتاج الأفلام القصيرة، وقد نالت العديد من أعمالها جوائز. ولا يزال يزور إقليم كوردستان بين الحين والآخر، وكانت آخر زيارة له في أيلول 2025.

ويقول كاشي: «أرى نمواً وأملاً واستقلالاً اقتصادياً إلى حد ما، وبدايات كيان سياسي كوردي قادر على حكم نفسه بنفسه، إذا استطاع كبح جماح الفساد والانفصال عن الصراعات الإقليمية».

وتابع كاشي أن «جمال الكورد وكرم ضيافتهم وتسامحهم يجعلهم شعباً مميزاً، كما أرى مزيداً من الحرية للمرأة، وهو أمر بالغ الأهمية لبناء مجتمع قوي وناجح».


تجربة لا تُنسى

عاش إد كاشي فترات طويلة بين جبال ووديان كوردستان، وتعايش مع سكانها، ولم يعرف الكورد فقط من خلال عدسة كاميرته، بل من خلال معايشتهم. وعن أحب صورة إليه يقول: «من المستحيل الإجابة عن هذا السؤال، لكن وجودي في جبال زاگروس، برفقة مرشد كوردي، في رحلة من تركيا إلى العراق، كان تجربة مؤثرة وعميقة. ولا تزال صورة المرأة الكوردية التي تُحاكم في ديار بكر من أهم الصور التي التقطتها».

وعن جذوره العائلية، يقول كاشي، المنحدر من عائلة غادرت العراق عام 1940: «لم تخبرني عائلتي شيئاً عن الكورد. توفي والدي عندما كنت في العاشرة من عمري، ولم أعرف تاريخ عائلتنا إلا بعد أن عدت إلى المنطقة في الثلاثينات من عمري للعمل على القضية الكوردية».




X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved