يواصل التلوث بالأسلحة المنتشر في أنحاء العراق تغيير حياة الأطفال بطرق تتجاوز حد الإصابات الجسدية. إذ لا تزال المخلّفات الحربية موجودةً في الحقول والطرق والأراضي المفتوحة التي تستخدم يومياً، ممّا يعرّض الأطفال إلى المخاطر عند ممارسة أنشطتهم اليومية مثل رعي الماشية أو اللعب أو حتى عند الذهاب إلى المدرسة والعودة منها.
عند وقوع حادثٍ ما، فإن تبعات ذلك يمكن أن تتضمن عرقلةً طويلة الأمد للرحلة التعليمية، مما يجعل التعليم أكثرَ صعوبةً أو يُجبر الأطفال على التأخّر بالدراسة أو ترك مقاعد الدراسة بالكامل. في قصة سيروان، سنرى كيف يمكن لحادثٍ واحدٍ أن يغيّر المسيرة التعليمية لطفلٍ بشكلٍ مفاجئ، مخلّفاً آثاراً مزمنةً على الطفل وعائلته. «لقد فقدت يدي اليمنى، وهي اليد التي كنت أُمسك القلم وأخط الكلمات بها»، هذا ما قاله سيروان نابي الذي كان بعمر 16 عاماً عندما غيّرت لحظةٌ واحدةٌ مسار حياته بالكامل وتسبّبت بتوقفٍ مفاجئٍ لمسيرته الدراسية. اليوم، وهو في الثامنة عشر من العمر، لا يزال سيروان مصراً على مواصلة الدراسة، إلا أنه يبقى متأخراً عن أقرانه وزملائه بسنوات بعد انفجار ذلك اللغم قرب منزله في سيدكان الواقعة على الشريط الحدودي الجبلي في كوردستان العراق. ترعرع سيروان في منطقة حدودية جبلية في محافظة أربيل، حيث يشكّل التلوث بالأسلحة تهديداً مستمراً للحياة. وعلى غرار أقرانه من الأولاد الآخرين في المجتمعات الريفية، عمل راعياً للغنم يساعد عائلته في رعاية المواشي في مناطق يجري استخدامها لهذا الغرض على مدى عقود، وهم يجهلون في الغالب المخاطر المخفية التي تغطيها التربة. في إحدى صباحات شهر تموز من عام 2023، كان سيروان يرعى الأغنام في الجبال، على بعد أقل من كيلومترين اثنين من منزله، وهو مكان اعتاد المرور خلاله كل يوم، وتوقف هناك لتناول الفطور، كما كان يفعل في الكثير من الأحيان. يستذكر سيروان ما حدث قائلا: «في ذلك اليوم، وجدتُ شيئاً بدا جميلاً. كان صغير الحجم، يشبه الأنبوب بلونٍ أصفرٍ لامع. وقد كان مطروحاً على الرمال وظاهراً بشكل واضح». بمجرد ما لمس سيروان ذلك الشيء الذي كان يبدو جميلاً، انفجر على يده مباشرة. مزّق ذلك الانفجار ذراعه اليمنى، وترك عدداً كبيراً من الشظايا المعدنية في ساقيه. كان لا يزال واعياً في تلك الحال، وأخذ ينادي لطلب المساعدة. في البداية، ظنّت عائلته بأنه أصيب جرّاء هجومٍ لحيوانٍ عليه. هرع أربعةُ أشخاصٍ إليه ونقلوه في سيارة. كان يتنقّل من مستشفى إلى آخر، وانتهى به المطاف في مستشفى طوارئ أربيل، حيث أُجبر الجرّاحون على بتر ذراعه اليمنى في الليلة ذاتها. لم يُخبر أحدٌ سيروان قبل إجراء العملية الجراحية بأنه سيفقد ذراعه، بل اكتشف ذلك بمجرد استيقاظه منها. يروي سيروان: «كنت بعمر السادسة عشر عندما فقدت يدي اليمنى، وهي اليد التي كنت استخدمها في الكتابة». رحلة دراسية مُعرقلة مع أن هذه الإصابة ألقت بظلالها على جميع جوانب الحياة اليومية لسيروان تقريباً، إلا أن تأثيرها على رحلته التعليمية كان فورياً وشديداً. فلقد أصبحت الكتابة والدراسة، بل وحتى حَمْل المواد المدرسية، تشكّل تحدياً بالنسبة له. واستغرق تعلّمه الكتابة باليد اليسرى وقتاً طويلاً، وبالتالي تخلّف عن مقاعد الدراسة. عن هذه الآثار، يقول سيروان: «هذا الحادث غيّر حياتي بالكامل تقريباً، إذ لم أعد قادراً على فعل أشياء كثيرة كما في السابق، فلقد أصبحت الكتابة مهمةً صعبةً، وتناول الطعام أمراً عسيراً. ومع كل ذلك أشعر بالامتنان لأنني لا زلت على قيد الحياة». لا يزال التلوث بالأسلحة يشكّل تهديداً مستمراً للأطفال في عموم أنحاء العراق. إذ تلوّث المخلفات الحربية القابلة للانفجار والألغام المناطق التي يعيش فيها الأطفال ويسيرون خلالها إلى المدرسة ويلعبون فيها، وهم على نحوٍ خاصٍ أكثر عرضةً لمخاطرها، وهم بالعادة ينجذبون تجاه الأجسام غير المألوفة أو اللامعة، غير مدركين للمخاطر التي تشكلّها هذه الأجسام. ولا يزال العراق أحد أكثر البلدان تلوثاً بالمخلفات الحربية في العالم، إذ تغطي الذخائر الحربية مساحاتٍ شاسعةً من الأرض، وخاصة في المناطق الحدودية، والمجتمعات الريفية، والمناطق المتعافية من النزاعات. إن المخاطر التي تشكّلها هذه الذخائر لا تقتل الأشخاص أو تُلحق بهم إصاباتٍ فحسب، بل تعيق سُبل العيش، وتحدُّ من الحركة، وتقلل فرص الحصول على التعليم والخدمات الأساسية الأخرى. حياةٌ في ظل التبِعات يستعمل سيروان اليوم ذراعاً اصطناعية حصل عليها بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. مع أن هذا الطرف تجميليٌ بشكلٍ أساسي، إلا أنّه يساعده في الشعور بثقة أكبر في الأماكن العامة، وهو لا يخلعه إلا ليلاً. يوضّح سيروان ذلك قائلا: «زارتنا اللجنة الدولية للصليب الأحمر وسألتنا عن الحادث»، ويضيف: «أخذوا قياسات ذراعي، وبعد مدةٍ قصيرة، استلمت الذراع الاصطناعي. وأخبروني بأن بإمكاني زيارة مركز إعادة التأهيل البدني في أربيل مجدداً إذا واجهتني أي مشكلة مع الطرف». لا يزال سيروان يساعد عائلته من خلال العمل راعياً للأغنام، ولكنّه يعمل فقط في المنطقة القريبة من المنزل. ولا تزال ساقاه تضم شظايا من الانفجار، لتذكّره يومياً بذلك الحادث الأليم. إخوته يساعدونه في مهامه اليومية، في الوقت الذي يواصل فيه التدرّب على الكتابة باليد اليسرى. يقول سيروان والفخر يعلو محيّاه: «لقد اجتزت الصف السابع، ولا زلت أحاول التأقلم مع الوضع». عائلة متأثرة بالنسبة لوالد سيروان، كانت تداعيات الانفجار أعمقَ من مجرد إصابة جسدية. يقول والده: «كنّا في وضعٍ ماليٍ جيد، ولكن بعد الانفجار، أمضينا شهوراً في المستشفيات، فأثّر ذلك على العائلة بالكامل». خلّف الحادث أثراً عاطفياً كبيراً، فقد تدهورت الحالة الصحية لوالدة سيروان بعد الحادث وهي تعاني الآن من ألمٍ مزمنٍ في الصدر نتيجة للتوتر والحزن. يتحدث والده عن هذا الأثر قائلاً: «عندما يحدث شيءٌ كهذا، فإنّه يدمّر العائلة بالكامل. ولكننا ندعم سيروان، ونشعر بالامتنان لأنه نجا من الحادث». إن التلوث بالأسلحة يكون له عادةً عواقب إنسانية طويلة الأمد تتجاوز الانفجار الأولي إلى حدٍ بعيدٍ. فقد يواجه الناجون وعائلاتهم ضائقةً ماليةً، وضغوطاً نفسيةً، وعوائق دائمة في طريق التعليم، والتوظيف، والاندماج الاجتماعي. التوعية لمنع حدوث الإصابات في المستقبل اليوم، يوجّه سيروان رسالةً كان يتمنى أنه سمعها من قبل. يقول سيروان: «إذا رأيت أي جسمٍ غريب، حتى لو كان جميلاً أو لامعاً، يشبه القلم أو الأنبوب، لا تلمَسْه أبداً، فقد ينفجر عليك. اتصل بالمؤسسة العامة لشؤون الألغام في إقليم كوردستان العراق على الرقم المجاني 182». إن التوعية بالمخاطر والسلوك الأكثر أماناً ذات أهمية بالغة في بلد لا تزال المخاطر المتعلقة بالمتفجرات موجودة فيه على نطاق واسع. ومن أكثر الفئات عُرضةً لهذه المخاطر رعاةُ الأغنام والماشية، والمزارعون، والأشخاص العائدون إلى منازلهم بعد النزاع المسلح. تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشكلٍ وثيقٍ مع المجتمعات المتضررة، والسلطات المحليّة، والشركاء بهدف التوعية بمخاطر الذخائر المنفجرة، وتقديم الدعم للضحايا، وتعزيز القدرات الوطنية لمعالجة مسألة التلوّث بالأسلحة. وتهدف اللجنة الدولية، من خلال التثقيف ودعم الضحايا والتوعية، إلى الحدّ من الأضرار ومساعدة المجتمعات في العيش بأمان أكثر. بالنسبة لسيروان، تستمر الرحلة حرفاً بعد آخر، يخطها ببطء بيده اليسرى غير المسيطرة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ بداية عملها في العراق مع بدء الحرب العراقية – الإيرانية في عام 1980، تضع نصب عينيها معالجة آثار النزاعات المسلحة وأوضاع العنف الأخرى. وعلى الرغم من انتهاء العمليات العسكرية واسعة النطاق وإعطاء المزيد من الاهتمام لجهود التعافي وإعادة الإعمار، لا يزال الملايين من الأشخاص في العراق بحاجة إلى شكل معين من المساعدات الإنسانية.
