«أمنه سورَكه».. من مُعتقل إلى متحف ومنصة للتوعية

في قلب مدينة السليمانية بإقليم كوردستان ينتصب مبنى أحمر، يطلق عليه أهل المدينة بالكوردية اسم «أمنه سورَكه» الذي يعني مبنى «الأمن الأحمر». شيّده مهندسون من ألمانيا الشرقية ليكون حصناً لدائرة الأمن بين 1979 و1991. وخلف جدرانه الخشبية الكاتمة للصرخات، مرّ آلاف الكورد بمحنة لا توصف. ومع انتفاضة آذار 1991، تحصّن داخله نحو 800 جندي وعنصر أمن، قبل أن يُستهدف ويُقتحم لتحرير المعتقلين. في تلك اللحظة، دوّت الإعدامات الميدانية التي طالت 300 من عناصر الأمن، بينهم 21 أُعدموا على يد أمهات ثكالى ثأراً لأبنائهن. منذ ذلك اليوم، تحولت البناية إلى متحف للذاكرة، ولا تزال آثار الرصاص على جدرانه شاهداً صامتاً على تاريخ من القمع والتحرر.

قاعة المرايا ومكتب علي الكيمياوي

في إحدى زوايا المبنى، لا يزال مكتب علي حسن المجيد - ابن عم صدام حسين، والمهندس الحقيقي لحملات الأنفال - هناك كأنه لم يرحل، لكن شيئاً مختلفاً يعلو المكتب: دمية معلقة بالسقف، مُكبلة اليدين مع أوزان تتدلى من قدميها. هي ليست مجرد دمية، بل تجسيد صامت لآلاف الذين علقوا هكذا، ساعات وأياماً، بينما كانت صرخاتهم تموت خلف جدران صممت لكتم الصرخات.

وفي الجوار، زنزانة ضيقة من بضعة أمتار، كتب أحدهم قصته على أحد جدرانها ورسم فراشات ربما للتعبير عن حلمه بالحرية، قبل أن يُنقَل إلى معتقل آخر ويُعدم. المعتقلون كانوا يهرّبون الأقلام كأنها أكاسير الحياة، ويتناوبون عليها للكتابة على الجدران.

«قاعة المرايا»، الرواق الهادئ الذي تغطي جدرانه 182 ألف قطعة زجاج عاكس، في كل قطعة، يمكنك أن ترى وجهك. لكنك، إن تأملت قليلاً، سترى خلف وجهك وجوهاً أخرى: 182 ألفاً من ضحايا الأنفال، الذين غالبيتهم لم يعثر لهم على قبور. وإلى الأعلى حيث السقف ترى 4500 مصباحاً تتلألأ كالنجوم. لكنها ليست نجوماً، بل أرواح 4500 قرية سُوِّيت بالأرض، ومسحت من الخارطة، وبقي منها أسماؤها تلمع هنا في السقف.

وعندما تخرج إلى الباحة، تفاجئك الدبابات والمدفعية السوفييتية التي تركها الجيش العراقي. لم تعد أدوات موت، وبإمكان الزوار تسلقها والتقاط الصور أمامها.. تحولت، كما تحول المكان كله، من رمز للقهر إلى النقيض.

الشاعر السوري المعروف أدونيس، زار المكان عام 2009 ودوّن في سجلاته: «في كل زاوية من الأمن الأحمر، سؤالٌ ينعصر العراق بين أسنانه... تحوّلت البناية عملاً فنياً لتمجيد الإنسان، ومنارة لأخلاق العمل والنضال».

الصور: سفين حميد

شهادات من تحت الأرض

وللوقوف على حجم المعاناة التي كان يعانيها المعتقلون فيها ظلماً وتعسفاً، رأت «كوردستان بالعربي» أن تلتقي ببعض منهم لأخذ شهاداتهم المؤلمة؛ مثل المهندس تحسين قادر علي الذي كان في التاسعة والعشرين حين اعتُقل عام 1988. يروي للمجلة كيف أن أزلام النظام السابق علّقوه من يديه في سقف غرفة التعذيب، «وأضافوا أوزاناً تصل إلى ثلاثين كيلوغراماً إلى قدمي. ضربوني بالسياط وكابلات الكهرباء.. لدرجة أنني حتى هذه اللحظة، أحمل معي آثار ما تعرضت له من تعذيب».

اعتُقل تحسين مع ثلاثين من رفاقه من عصبة كادحي كوردستان، خمسة منهم نُفِّذَت بحقهم عقوبة الإعدام. ويستذكر لحظة الوداع الأخيرة مع أحمد حمادي، أحد الشيوعيين من محافظة الحلة، الذي قال له قبل الإعدام: «عيني تحسين، ستخرجون وتفرحون... كلّي أمل أن تتذكرونا».

أما الإعلامي كاروان أنور، فيروي لـ«كوردستان بالعربي» قصته وقصة أسرته وأقربائه مع هذا المعتقل، قائلاً: «والدي المعلم شيخ أنور فُصل من الوظيفة واعتقل في (أمنه سورَكه) سنة 1988.. وقبيل اعتقاله، حذرني قائلاً: أخواتك في خطر». لذا، وخشية اعتقالهن، هرّبتهن إلى الموصل، وتركت والدتي وشقيقي الصغير شڤان الذي كان عمره ثلاث سنوات في المنزل. لم أكن أعلم أنني سوف لن أراهم إلا بعد أربعة أشهر».

وأضاف كاروان أنه «كما توقع والدي، اعتُقلت والدتي وشقيقي بعد أيام قليلة، وضعوهما في قاعة صغيرة مع نحو 120 امرأة وطفلاً، غالبيتهم من معتقلي حملات الأنفال، ثم نُقلوا إلى سجن أمن أربيل، ومنه إلى مخيم اعتقال في ناحية بحركة التابعة لأربيل.. لم أستطع إنقاذهم إلا بدفع رشوة لأحد أعوان النظام المتنفذين، واستعدتهم بعد أربعة أشهر ونقلتهم إلى مدينة الموصل تخفياً عن أعين الحكومة ومراقبتها». لكن كثيرين ممن اعتقلوا في تلك الفترة لم يكتب لهم النجاة كما حصل مع أسرة الإعلامي كاروان أنور، بينهم أقرباء له كان مصيرهم النفي جنوباً والإعدام سراً.

المتحف اليوم

لم يعد «أمنه سورَكه» مجرد شاهد على الماضي، بل أصبح منصة للتثقيف حول حقوق الإنسان والذاكرة الجماعية، تستقبل قاعاته آلاف الزوار سنوياً بينهم طلاب يقصدونه للتعرف على تاريخ الأنفال وتجارب المعتقلين. وتنظم فيه ندوات ومعارض فنية. بالنسبة لأجيال لم تعش تلك الحقبة، يمثل المتحف وسيلة لفهم ما جرى ورسالة بأن التذكر هو شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان. المبنى ليس مجرد متحف، بل ذاكرة جماعية للكورد وشاهد على أن الشعوب التي تحفظ تاريخها وتروي قصصها لا تموت، بل تمنح الأجيال القادمة قوةً لمواجهة المستقبل.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved