شناشيل البصرة.. ماضي جميل وحاضر مهدد
شهد أحمد - June 08, 2026

في الأحياء القديمة لمدينة البصرة، أو «فينيسا الشرق» كما تلقب أحياناً، لا تزال شرفات خشبية مزخرفة بالزجاج الزاهية الألوان، وتسمى «الشناشيل»، تطل على الأزقة الضيقة لتزيين البيوت التراثية البهيجة التي، رغم الظروف المناخية القاهرة والإهمال، تقف صامدة لتتجلى صورة فريدة تحمل في طياتها عبق التاريخ وجمال المعمار العريق.

الشناشيل ليست مجرد بقايا عمرانية شاهدة على ماضي المدينة العتيق، يعود تاريخ تشييدها إلى العصر العثماني بعد دخولهم العراق، بل تتخطى كونها مجرد بروزات خشبية إلى عنصر معماري ومشهد سينمائي مفتوح يستقطب عدسات المصورين وصنّاع الأفلام ويغري السياح والزائرين لاتخاذها وجهة سياحية. بل ويسعى القائمون على إدارة آثار وتراث المحافظة مواظبته لضمها إلى لائحة التراث العالمي كأحد المعالم الأثرية.

الصورة: هيمن بابان رحيم

140 بيتاً تراثياً معظمها مهددة بالاندثار 

الشناشيل، وهي الشرفة والجزر البارز من الطابق العلوي المشغول بالخشب من البيوت التراثية، والمخصصة للجلوس واستقبال الضوء والهواء، تعود انتشارها في البصرة إلى القرن السادس عشر ميلادي. أما أصل الكلمة فيعود إلى اللفظ الفارسي «شاه نشين» الذي يعني «مكان جلوس الملك» أو «المجلس المرتفع» لتتحول اللفظة فيما بعد الى «شناشيل».

لم يُفقد غبارُ الزمن ولا تجاعيده ولا تآكل شرفات الشناشيل من جماليتها، إلا أن الاستمرار في إهمالها يمكن أن يعجّل من فقدانها واندثارها، حيث لم يبقَ منها اليوم سوى 140 بيتاً فقط موزعة بين الأحياء والمناطق القديمة كحي النظران، وشارع بشّار، ومنطقة السيف، والعشار، والبجاري، وأبو الخصيب، والسيمر.

 ضرورة إصلاح ما أفسده الدهر 

تعاني معظم بيوت الشناشيل من رطوبة عالية وتشققات وتآكلات أفقدت الحيطان تماسكها الإنشائي. هذا ما يجعلها مهددة بالزوال وآيلة للسقوط والاندثار، إلا أن بعض قاطني البيوت متمسكون بها، إما لعدم توفر بدائل سكنية أو لارتباطهم العاطفي بالمكان الذي يمثل لهم أكثر من مجرد مأوى. وهنالك بيوت ارتبطت برموز ثقافية بارزة مثل بيت الشاعر بدر شاكر السياب وبيت الأقنان، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية ثقافية تتجاوز حدود الترميم الشكلي..

وبما أن العراق يسعى، ومنذ سنوات، لضم الشناشيل إلى لائحة التراث لمنظمة يونيسكو. لذا توجد ضرورة ملحة وعاجلة لمعالجة هذه المشاكل ومحاولة ترميمها. لأن استمرار هذا الوضع يعني فقدان جزء مهم من التراث العمراني والثقافي مما يؤدي الى اندثاره.

وقد انطلق عام 2022 مشروع «إحياء مدينة البصرة القديمة» بعد منحة من الاتحاد الأوروبي لتأهيل عدد من البيوت التراثية وجعلها مركزاً ثقافياً في المحافظة لإنعاش السياحة والاقتصاد. وقد أسفرت هذه الجهود عن إعادة تأهيل حوالي 11 بيتاً حتى الآن.

ويقول الدكتور علي عبيس كرنفل المعموري، مدير مفتشية هيئة آثار وتراث البصرة، في لقائه مع مجلة «كوردستان بالعربي» إن الهيئة نفذت سابقاً وبالتنسيق مع الحكومة المحلية في البصرة والتنسيق مع الحكومة الاتحادية «أعمال ترميم وتأهيل لعدد من المباني التراثية. لكن وبسبب الضائقة المالية لم يكتمل المشروع». وعبر المعموري عن أمله في العمل بجهد كبير «لتنفيذ كل المعايير التي تؤدي إلى تسجيل الشناشيل، التي تشكل جزءاً مهماً من البيوت التراثية، على قائمة التراث العالمي لمنظمة يونيسكو».

الصورة: محمد الصغير

الشناشيل والسينما.. مكان لصنع الصورة

مع التطور العمراني الذي تشهده البصرة، لا تزال البيوت التراثية أو بيوت الشناشيل تجذب نظر العديد من المخرجين وتدغدغ مخيلتهم بوصفها قابلة لاتخاذها مواقع تصوير تختصر الزمن داخل الصورة. فهذه البيوت لا تمنح خلفية جاهزة فحسب بل تفرض منطقها الجمالي والدرامي على العمل السينمائي. فالمخرج السينمائي الدكتور بهاء الكاظمي مثلاً، يصف العمل داخل بيوت الشناشيل في البصرة بأنه «انغماس في كائن حي يفرض شروطه الجمالية على الكاميرا»، موضحاً أن هذه البيوت بفتحاتها الخشبية وهندستها الفريدة تمنح المخرج «دراما بصرية جاهزة، حيث يتشكّل المعنى من خلال حركة الضوء وصمت الجدران».

ويشير الكاظمي إلى أن الشناشيل في أفلامه لم تكن مجرد مكان للتصوير بل «البطل والمكان والزمان في آنٍ واحد»، إذ تمنح نوافذها الخشبية «سيطرة طبيعية على تدفّق الضوء وتعمل بوصفها فلاتر طبيعية تقسّم المساحات بين الظل والضوء بما يخدم الحالة النفسية للشخصيات».

وخلال تجربته أثناء تصوير فيلم «بندقية الشرق» في منطقة «البجاري» بالعشار، لاحظ المخرج العراقي تحول البيت الشناشيلي إلى كاشف لطبقات من الحنين المختبئ في الخشب العتيق، فيعود بطل الفيلم (الفنان سامي قفطان) بدافع الحنين ليموت في بيته القديم ويُدفَن إلى جوار والديه. فلم تكن الشناشيل مجرد خلفية بل أداة لاكتشاف جذور الشخصية وارتباطها بالأرض.

ويؤكد الكاظمي أن إخراج هذه المشاهد المصورة في بيوت الشناشيل من الفيلم يعني خسارة «الصدق التاريخي» و«الملمس البصري» الذي لا يمكن تزييفه؛ فصوت الخطوات على الخشب القديم وتوزيع الظلال المنكسرة على الوجوه، كلها عناصر تمنح المشهد عمقاً واقعياً وتتحوّل الصورة بدونها إلى ديكور صامت يفتقر إلى روح المدينة.

 إعادة توظيف بيوت الشناشيل

وإلى جانب حضورها السينمائي، شهدت بعض بيوت الشناشيل محاولات ترميم وإعادة توظيف، لا سيما تلك التي أُشرفت عليها الحكومة المحلية في البصرة وتحول عدد منها لاحقاً إلى مراكز ثقافية وفنية مثل (اتحاد التشكيليين، واتحاد الأدباء، وبيت التراث ومركز المخطوطات والتراث البصري). وهذا التحوّل أسهم في إبقاء هذه البيوت حيّة داخل المشهد الثقافي بدل أن تتحوّل إلى مبانٍ مهجورة.

كما برزت مبادرات ثقافية خاصة وبدعم من منظمات المجتمع المدني لاستثمار بعض البيوت الشناشيلية وتحويلها إلى ملتقيات ومتاحف صغيرة من بينها (ملتقى رازونة الثقافي)  و(متحف الحسون)، إضافة إلى (بيت باشا أعيان) الذي يضم مكتبة ثقافية أعادت للمكان دوره المعرفي والاجتماعي.

ومن جانب آخر، يرى فنانون أن بيوت الشناشيل ممكن توظيفها كقاعات عرض ممتازة، مثل الفنان التشكيلي الدكتور رائد حسن شري الذي يؤكد أن هذه البيوت تشكّل جزءاً من مساحة العرض نفسها حيث تصبح الجدران المبنية من الطابوق والزخارف الهندسية عنصراً بصرياً مكمّلاً للعمل الفني لا عائقاً أمامه. ويشير إلى أن الأجواء داخل بيوت الشناشيل أكثر إيجابية من قاعات المراسم التقليدية، لما توفره من مساحات مفتوحة تبعث على الراحة النفسية، فضلاً عن جمالية المكان التي تعيد الفنان إلى ذاكرة الطفولة وتمنحه طاقة إبداعية تنعكس على نتاجه الفني.

استخدام الشناشيل لمآرب أخرى

أخيراً، لم تعد الشناشيل حاضرة فقط في السينما والفن، بل وتستعمل كمواقع لجلسات تصوير تخرج طلاب الجامعة وحفلات الزفاف والجلسات الفردية لما تحمله من إحساس بالهوية والحنين. إلى جانب أنها باتت محطة رئيسية للسياح والأجانب ونافذة للتعرّف على تاريخ المدينة وهي  ذاكرة حية في قلب المدينة.

الأسباب أعلاه أدى بالمهندسين والمطورين إلى إعادة تشكيل الشناشيل في المباني الحديثة، فاحتضنت الواجهات الجديدة بروزات خشبية وزخارف مستوحاة من الشناشيل التقليدية بطريقة عصرية ليصبح النمط جزءاً من المشهد العمراني.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved