العزلة الجبلية تصنع ملامح وراثية مميزة
رشيد صوفي - June 10, 2026

في إقليم كوردستان العراق، تلفت قريتان صغيرتان الأنظار بظاهرة بصرية نادرة: شيوع العيون الزرقاء والخضراء بين سكانهما بنسبة لافتة. تقع القرية الأولى «شكفتاني» في قضاء عقرة (آكري) التابع لمحافظة دهوك، والثانية «دوڵە پَموو»، في منطقة شارباژێڕ شمال شرقي محافظة السليمانية. هناك، وبين كبار السن خاصة، تتكرر هذه العيون الملونة في مشهد يبدو استثنائياً مقارنة بباقي مناطق العراق.

ماذا يقول العلم عن لون العيون؟

تحدث الباحث في العلوم البيولوجية الدكتور كاويس عزيز فرج، عن الظاهرة موضحاً، أن لون العيون لا ينتج عن صبغة زرقاء بل عن انخفاض في كمية الميلانين داخل القزحية.

وأضاف لـ«كوردستان بالعربي» أن «هذا التغيير الجيني قديم نسبياً، ويُعتقد أنه نشأ قبل آلاف السنين وانتشر في مناطق أوراسيا. وجوده في قرية معينة معزولة لا يعني أصلاً عرقياً مختلفاً، لكنه قد يصبح أكثر وضوحاً إذا كان المجتمع صغيراً ومعزولاً».

وتبين دراسة منشورة في مجلة (Human Genetics) في عام 2008، أن اللون الأزرق يرتبط بتغير جيني في منطقة تنظيمية ضمن جين  يُعرف بـ(HER2) يؤثر على نشاط جين (OCA2) المسؤول عن إنتاج الميلانين.

الدراسة بينت أن هذا التغيير الجيني يُرجح أنه نشأ قبل نحو 6 إلى 8 آلاف سنة، وانتشر في مناطق واسعة من أوروبا وآسيا، لكن وجود هذه الطفرة في مجتمع ما لا يعني أصل أوروبي أو هجرة حديثة. إذ أن المتغيرات مرتبطة بلون العين وموجودة بنسب متفاوتة في الشرق الأوسط والأناضول والقوقاز أيضاً.

الصور: محمد سالم

تفسير وراثي محتمل.. تأثير المؤسس والعزلة

يقول الدكتور كاويس إننا «لو أردنا تبسيط الأمر، فإن جميع سكان شكفتاني يشبهون عائلة واحدة كبيرة. الصفة الوراثية التي كانت نادرة في الجد الأول أصبحت شائعة لأن الأحفاد تزاوجوا فيما بينهم طويلاً، ولو تزوج أحد أبناء القرية من شخص من خارجها، فإن أولاده سيحملون الصفة بشكل أخف ومع استمرار الاختلاط ستتلاشى الظاهرة تدريجياً».

إذا كان عدد السكان محدوداً، والزواج يتم غالباً داخل المجتمع نفسه، فإن بعض الصفات، حتى لو كانت نادرة في المحيط الأوسع، قد ترتفع نسبتها بمرور الوقت. هذا الإطار العلمي يقدم تفسيراً محتملاً لما يُلاحظ في «شكفتاني» و«دوڵە پَموو» من دون الحاجة إلى افتراضات حول أصول استثنائية أو هجرات غير موثقة.

مفهومان للظاهرة

في علم الوراثة، يوجد مفهومان يفسران ما حدث في القريتين، وأية منطقة معزولة أخرى:

- تأثير المؤسس: عندما تستقر مجموعة صغيرة في مكان ما، فإن الصفات الجينية التي يحملها أفرادها قد تصبح أكثر شيوعاً في الأجيال اللاحقة.

- الانحراف الجيني: تغييرات عشوائية في تواتر الصفات الوراثية داخل المجتمعات الصغيرة.

رأي الأهالي في الظاهرة

«كوردستان بالعربي»، زارت قرية «شكفتان» التي يعيش فيها نحو 300 نسمة موزعين على 40 أسرة، والتقت أحد سكانها ويدعى حكيم علي، الذي قال للمجلة إن «معظم أهالي القرية تجمعهم صلة قرابة، وكثير منا ورثوا لون العيون من الآباء والأجداد، والزواج من خارج القرية كان محدوداً لفترة طويلة».

أما في قرية «دوڵە پَموو»، فعلق أحد سكانها على ظاهرة لون عيون أبنائها بالقول: «في الماضي كان أغلب الزيجات تتم بين أبناء القرية. ولهذا بقيت الصفات داخل الأسر، لكن في السنوات الأخيرة تغير الوضع وأصبح الزواج من خارج القرية والمنطقة شائعاً. لذا ترى الأجيال الجديدة تبدو أقل تجانساً مع الطبيعة المعروفة عن القرية مقارنة بكبار السن».

مقارنة عالمية

قصة محلية وأسئلة مفتوحة:

ما يجعل «شكفتاني» و«دوڵە پَموو» جديرتين بالاهتمام ليس لون العيون بحد ذاته، بل كونهما مثالين عمليين لكيفية تفاعل الجغرافيا مع الوراثة. القريتان تقدمان حالة يمكن أن تثير اهتمام الباحثين في مجالات الوراثة السكانية والأنثروبولوجيا، خاصة في منطقة جبال زاگروس التي تُعد تاريخياً ممراً بشرياً مهماً عبر آلاف السنين. لكن حتى إجراء دراسات جينية ميدانية موسعة تبقى الظاهرة في إطار الملاحظة المحلية المدعومة بتفسيرات علمية عامة لا أكثر.



X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved