على مدى نحو ثماني سنوات، خاضت حكومة إقليم كوردستان، ممثلة بتشكيلتها الحكومية التاسعة، مساراً تنموياً معقداً اتخذت خلاله من شعار «إقليم أقوى» هدفاً استراتيجياً موجهاً لسياساتها، وسط سلسلة من الأزمات المتعاقبة بدأت بجائحة كورونا، ومرت بتذبذب حاد في أسعار النفط، ووصلت إلى ضغوط اقتصادية وتحديات سياسية متلاحقة. ورغم هذه الظروف، تمكنت الحكومة، بحسب البيانات الصادرة عن دائرة الإعلام والمعلومات في رئاسة مجلس الوزراء، من تحويل جانب كبير من هذه التحديات إلى مشاريع منجزة طالت قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والبنى التحتية والاقتصاد.
الأمن المائي في صدارة الأولويات
شكّل ملف الأمن المائي أحد المحاور الرئيسية التي راهنت عليها الحكومة، إذ أنجزت خلال هذه الفترة تسعة سدود جديدة، تصدرها سد كومسبان بكلفة بلغت 95 مليار دينار وسعة تخزينية قدرها 97.5 مليون متر مكعب، إلى جانب سدود ديوانه ودوين وبستوره وخنس وئاقوبان وتورجار وشوكير وجمركه، لترتفع بذلك السعة التخزينية الإجمالية للسدود المنجزة إلى نحو 252.8 مليون متر مكعب من المياه، باستثمار كلي تجاوز 265.7 مليار دينار.
وإلى جانب السدود، أنجزت الحكومة ثلاثين حوضاً مائياً من أصل 98 حوضاً كانت قائمة قبل بدء أعمالها، فيما لا يزال 57 حوضاً آخر قيد التنفيذ. وفي موازاة ذلك، انطلقت عشرات مشاريع المياه والري التي ترفع الإمداد اليومي بمياه الشرب النظيفة إلى نحو 1.202 مليون متر مكعب، أبرزها مشروع الإمدادات الطارئة للمياه في أربيل الذي يوفر 720 ألف متر مكعب يومياً بكلفة 480 مليار دينار، إضافة إلى مشاريع مياه بردرش ودوكان في السليمانية وقوشتبه وكوبتبة في جمجمال ورانية وعقرة وفايده في دهوك ودرينديخان وبلندا في بازيان، وصولاً إلى مشروع شبكة مياه أربيل بطول يتجاوز 411 كيلومتراً. كما تمضي الحكومة في تنفيذ مشروعي معالجة المياه الثقيلة على مرحلتين، بكلفة إجمالية تفوق 779 مليون دولار وطاقة معالجة تتجاوز 262 ألف متر مكعب.

دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي
على صعيد الأمن الغذائي والصناعي، اتجهت الحكومة إلى تعزيز البنية التخزينية للمحاصيل الزراعية عبر إنشاء أربع صوامع للحبوب في قوشتبة وكلار وروفيا وحلبجة، بسعة تخزينية إجمالية بلغت 160 ألف طن واستثمار قدره 90 مليار دينار، على أن يشمل التوسع لاحقاً محافظات دهوك وزاخو وكفري وكويه وحرير. ورافق ذلك دعم مباشر لآلاف الشركات والمعامل، إذ باتت كوردستان تضم اليوم أكثر من 13,943 شركة و1,341 معملاً و319 مخزن تبريد وثلاثين ألف بيت بلاستيكي، وهو ما انعكس، بحسب البيانات الرسمية، على القدرة التصديرية للإقليم، حيث صُدّرت لأول مرة عشرات آلاف الأطنان من المحاصيل الفلاحية الكوردستانية إلى دول الخليج والعالم، شملت الأرز والسماق والطحينية والرمان والعسل والتفاح والفطر والبطاطا، فيما قفزت نسبة نمو الإنتاج الزراعي من 1.8 في المئة عام 2018 إلى 12 في المئة عام 2026.
طفرة في مشاريع الطرق والبنى التحتية
اتسمت هذه المرحلة أيضاً بحركة إعمار واسعة في قطاع الطرق والجسور، إذ بلغ إجمالي المشاريع المنفذة والمخطط لها خارج المدن 1,271 مشروعاً باستثمار يقارب 5.3 تريليون دينار وبطول إجمالي يقترب من ستة آلاف كيلومتر، أُنجز منها حتى الآن 810 مشاريع بطول يتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر، فيما لا يزال 461 مشروعاً قيد التنفيذ. وتصدرت محافظة أربيل هذه المشاريع من حيث القيمة المالية، تلتها دهوك ثم السليمانية، فيما توزعت باقي المشاريع على إدارات كرميان ورابرين وسوران وحلبجة وزاخو.
وعلى المستوى البلدي، نُفذت آلاف المشاريع في قطاعات البلدية والمياه والري والطرق الداخلية والسياحة والآثار، بمخصصات مالية تجاوزت مجتمعة عشرة تريليونات دينار، توزعت جغرافياً بما يعكس الوزن السكاني والإداري للمحافظات، حيث تصدرت أربيل ثم دهوك ثم السليمانية قائمة المخصصات. وواكب هذا التوسع العمراني اهتمام متزايد بهندسة حركة السير، إذ أُقيم ستون جسراً ونفقاً، وأكثر من 68 كيلومتراً من الحواجز المعدنية على الطرق، وتم تخطيط أكثر من 2,700 كيلومتر من الشوارع، إضافة إلى إنشاء مئات معابر المشاة وآلاف المطبات وعلامات المرور، ضمن مخططات مرورية تنفذها الفرق المحلية منذ عام 2022.

الإصلاح الإداري والمالي يعيد تشكيل مؤسسات الدولة
في السياق الإصلاحي، شكّل قانون الإصلاح أحد أبرز الملفات التي راهنت عليها الحكومة لضبط الإنفاق العام وتحديث الجهاز الإداري. فقد شملت عملية التوطين المصرفي أكثر من 950 ألف حساب بنكي للموظفين، ضمن مشروع «حسابي»، فيما جرى تسجيل 220 ألف مستخدم في نظام الدفع الرقمي والفاتورة الإلكترونية، الذي أنجز أكثر من 1.1 مليون معاملة دفع. أما على الصعيد الإداري، فقد راجعت الحكومة ملفات أكثر من 357 ألف موظف مدني، وأعادت تنظيم آلاف الملفات ذات الرتب العليا، ونقلت عشرات الآلاف من عناصر البيشمركة والمتقاعدين بين وزارات الدولة، فيما تم شطب آلاف الحالات التي كانت تتقاضى رواتب بشكل غير قانوني. وفي الملف المصرفي، تأسس المصرف الوطني برأسمال بلغ 250 مليار دينار، في وقت سددت فيه الحكومة أكثر من 2.1 تريليون دينار من إجمالي القروض والتسهيلات الممنوحة سابقاً والبالغة قرابة 4.5 تريليون دينار.
قفزة في إنتاج الكهرباء ومشروع «روناكي» نحو التغطية الكاملة
شهد قطاع الطاقة الكهربائية أحد أبرز مؤشرات التحول خلال هذه المرحلة، إذ ارتفع إنتاج الطاقة من 2,360 ميكاواط عام 2019 إلى 4,334 ميكاواط عام 2026، بزيادة صافية بلغت 1,974 ميكاواط، نتيجة إنشاء محطات جديدة أبرزها محطة بازيان بطاقة 750 ميكاواط ومحطة خورمالة بطاقة 500 ميكاواط، إلى جانب محطتي بخار خباط وكرميان وإعادة تشغيل محطات أربيل والسليمانية ودهوك. ويأتي جزء متزايد من هذا الإنتاج من مصادر الطاقة النظيفة والدورة المركبة، اللتين تشكلان معاً نصف مزيج الطاقة الحالي تقريباً، فيما بدأت الطاقة الشمسية تأخذ حيزاً متنامياً في هذا المزيج.
وفي إطار مشروع «روناكي» الهادف إلى توفير الكهرباء على مدار الساعة لعموم سكان الإقليم بحلول نهاية العام الجاري، بلغت نسبة التغطية حتى الآن 90 في المئة، إذ استفاد من المشروع أكثر من 5.4 ملايين مواطن وأكثر من 1.2 مليون منزل وأكثر من 153 ألف مبنى تجاري، فيما تم إطفاء أكثر من ستة آلاف مولدة أهلية، وسط دعم مالي حكومي متدرج يتراوح بين 15 و50 في المئة بحسب فئات المشتركين.

التحول الرقمي يعيد تشكيل علاقة المواطن بالدولة
راهنت الحكومة كذلك على رقمنة قطاع واسع من الخدمات الحكومية، إذ أطلقت أكثر من 29 نظاماً رقمياً، أبرزها تطبيق «KRD Pass» الذي يوفر بطاقات تعريف رقمية وخدمات حكومية للمواطنين، وبوابة الحج لإدارة طلبات ونتائج القرعة، ونظام إدارة الوثائق الرسمية بين المؤسسات الحكومية، ونظام الرواتب المركزي الموجّه لإدارة ملفات ورواتب الموظفين، ونظام شكاوى المواطنين الذي يتيح إيصال الملاحظات والشكاوى إلى مؤسسات الدولة ومتابعتها، فضلاً عن بوابة تسجيل المؤسسات التجارية والنظام الإلكتروني لسيطرة المنافذ الحدودية الذي يدير عمليات الدخول والخروج والتأشيرات. ويكمل هذه المنظومة مشروع «حسابي»، الذي يهدف إلى تحقيق الشمول المالي عبر رقمنة رواتب الموظفين، وقد سجّل حتى الآن أكثر من 950 ألف موظف، بينهم نسب تفوق 90 في المئة من الموظفين المدنيين والقوات الأمنية والمتقاعدين على حد سواء، إلى جانب إصدار أكثر من 895 ألف بطاقة بنكية، بمشاركة أبرز المصارف المرخصة في الإقليم من قبل البنك المركزي العراقي.
سوق العمل والاستثمار يستقطبان مليارات الدولارات
على صعيد التشغيل، عيّنت الحكومة آلاف الخريجين والمعلمين والأطباء والحراس ضمن الملاك الدائم، وحوّلت عشرات الآلاف من المحاضرين في قطاعي التربية والتعليم العالي إلى عقود دائمة، إضافة إلى توفير مئات آلاف فرص العمل عبر وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والمعامل والمنشآت الصناعية والمشاريع الاستثمارية. كما وسّعت مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل أكثر من 319 ألف عامل محلي وأجنبي وأكثر من 63 ألف مشروع، إلى جانب برامج دعم مخصصة للشباب من بينها صندوق قروض بلا فوائد لدعم المشاريع الصغيرة استفاد منه آلاف الشبان، ومشروع «الازدهار» للقروض طويلة الأجل.
وفي ملف الاستثمار، تجاوز عدد المشاريع المنفذة بدعم من الحكومة 856 مشروعاً بحزمة مالية إجمالية تخطت 25.2 مليار دولار، توزعت على القطاعات السكنية والسياحية والصناعية والتجارية والزراعية والتعليمية والصحية والرياضية والخدمية، في مؤشر يعكس، بحسب البيانات الرسمية، تحسناً ملموساً في بيئة الأعمال بالإقليم رغم التحديات الاقتصادية الإقليمية.
الخدمات الأساسية والتعليمية والصحية
في ملف الخدمات العامة، وفّرت الحكومة نحو 396 مليون متر مكعب من المياه النظيفة سنوياً لأكثر من 1.18 مليون مشترك، إلى جانب خدمة كهربائية تغطي قرابة 1.93 مليون مشترك، ومعالجة نحو 2.5 مليون طن من النفايات سنوياً بكلفة بلغت 125 مليار دينار. أما في القطاع التعليمي، فقد رُممت ثلاثة آلاف مدرسة وشُيدت 273 مدرسة جديدة، فيما لا تزال عشرون مدرسة وروضة قيد الإنشاء، وافتُتحت 44 كلية ومعهداً جديداً بواقع 318 قسماً علمياً، إلى جانب تأسيس جامعتين جديدتين، ودمج أكثر من 42 ألف طفل من أطفال الشوارع في العملية التعليمية. كما أقرت الحكومة إعفاءات كاملة من الرسوم الدراسية لفئات عدة من بينها الطلبة الأوائل في دراسات الماجستير والسجناء الطلاب وأبناء السجناء السياسيين وأبناء ذوي البيشمركة المعاقين أثناء الخدمة، إلى جانب تخفيضات تراوحت بين 10 و50 في المئة شملت فئات أخرى من الطلبة.
وفي القطاع الصحي، تضم الخريطة الطبية للإقليم اليوم 79 مستشفى و31 مركزاً صحياً ومتخصصاً وثمانية مستشفيات ومراكز لعلاج الأورام السرطانية، إلى جانب مستشفيين جديدين قيد الإنشاء، وسط تقديم علاج مجاني لمرضى الثلاسيميا وإنشاء صندوق لإعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة وتنظيم متابعة أدق لملصقات الأدوية في الأسواق.
التعايش المجتمعي وحرية الإعلام والانفتاح الدولي
على الصعيد المجتمعي، حافظ الإقليم، الذي يضم ثمانية مكونات دينية رسمية، على نسيجه التعددي، إذ شهدت هذه الفترة بناء 653 دار عبادة وترميم 280 أخرى. وفي المجال الإعلامي، يعمل في الإقليم اليوم 130 قناة محلية وثلاثون قناة فضائية و181 محطة إذاعية وأكثر من ألف صحيفة ومجلة ومئات المواقع الإلكترونية الرسمية، تمارس جميعها نشاطها، بحسب البيانات الحكومية، بحرية تامة. كما سُجّلت أكثر من ستة آلاف منظمة غير حكومية محلية وأجنبية، فيما واصلت الحكومة تقديم المساعدات الإنسانية لأكثر من 853 ألف نازح ولاجئ يقيمون في 27 مخيماً داخل الإقليم وخارجه، بكلفة سنوية تناهز 860 مليون دولار. ولتسهيل مراجعات المواطنين وتقليص الروتين الإداري، استحدثت الحكومة إدارتين مستقلتين جديدتين في سوران وزاخو، إضافة إلى وحدات إدارية أخرى موزعة على مستوى الأقضية والنواحي والمديريات.
وعلى الصعيد الدولي، عملت حكومة الإقليم على توسيع حضورها الدبلوماسي عبر ممثليات في عدد من الدول الغربية والإقليمية، مقابل استضافة أربيل قنصليات ومكاتب تمثيلية لعشرات الدول ووكالات التعاون الدولي، في مسعى وصفته الحكومة بأنه يهدف إلى تعزيز مكانتها الدولية والمساهمة في حفظ الأمن والاستقرار الإقليميين.
البيئة وحزام أربيل الأخضر
في الملف البيئي، نفذت الحكومة عمليات تنظيف طالت أكثر من 14 مليون متر مربع من أراضي كوردستان الملغّمة، وأبطلت مفعول أكثر من 180 ألف قطعة لغم ومتفجرة، وطهّرت مئات الحقول الملغومة، إلى جانب تركيب أجهزة إنذار وإطفاء لحماية الغابات من الحرائق على مساحات واسعة، وتشغيل محطات لرصد جودة الهواء، ما ساهم في رفع نسبة المساحات الخضراء من 15 في المئة عام 2018 إلى 20 في المئة عام 2026. ويأتي في صلب هذه الجهود مشروع حزام أربيل الأخضر، الذي انطلق على شكل دائري حول المدينة بعرض كيلومترين، ويتألف من ثماني مراحل أُنجزت أولاها بالكامل فيما لا تزال الثانية قيد التنفيذ، ويتضمن بناء عشرة أحواض لتخزين المياه وزراعة 7.7 مليون شتلة من الزيتون والفستق والبرتقال، بما يُتوقع أن يخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يتراوح بين 140 و210 آلاف طن، إلى جانب مساهمته المرتقبة في مكافحة التصحر وتلطيف درجات الحرارة وتحسين جودة الحياة في العاصمة.
وفي حصيلة هذه المرحلة، تخلص الحكومة إلى أن مسارها التنموي، رغم الأزمات المتلاحقة التي رافقته، أفضى إلى تحولات ملموسة في بنية الخدمات والاقتصاد بالإقليم، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء مسرور بارزاني بقوله: «نحن لا نقدم الوعود فقط، بل ننجزها أيضاً».